عقد الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، مؤتمراً صحافياً في مقر البنتاغون، يجمع المراقبون على أنه سيترك بصمة مهمة على إرثه السياسي. وأهم ما ورد في البيان الذي أدلى به لم يكن ما ورد في البيان نفسه بقدر ما لم يقله أوباما فيه، والمتمثل بغياب أدنى فرصةٍ لهزيمة تنظيم «داعش» في القريب المنظور.

وشدد أوباما بدلاً من ذلك على أن الصراع ضد التنظيم المتطرف سيكون «طويلاً»، وأن التجربة قد أثبتت أنه لا يمكن «التدني» بالتنظيم بشكل فاعل، إلا من خلال القوى المحلية الموجودة على الأرض.

استراتيجية متكررة

وكان أوباما يقر، في الواقع، بأن «داعش» لن يكون قد زال من الوجود مع انتهاء ولايته الرئاسية، وقد أشار إلى أن هدفه الفعلي اليوم يقتصر على إبقاء مقاتلي التنظيم خارج بغداد قبل انتهاء عهده. ذلك أن الوضع الأقرب لما يحدث الآن في العراق هو الوضع في أفغانستان، حيث تتحول بغداد سريعاً إلى كابول جديدة

وإن كان ذلك يبدو مألوفاً، فله أن يفعل ذلك، إنها في المبدأ الاستراتيجية عينها التي تنتهجها الولايات المتحدة حيال حركة طالبان في أفغانستان. ومن الواضح أن أوباما يعتقد أنه لا يستطيع أن يحقق في حربه ضد «داعش» أكثر مما حققه في أفغانستان، غير أنه لا يريد خسارة أي منهما.

لماذا يكلف أوباما نفسه إذن عناء عقد مؤتمر صحافي حول «داعش» إن كان ما يريد أن يقوله لا يتعدى الحديث عن دعم الولايات المتحدة الخطة العراقية لاستعادة مدينة الرمادي؟

الإجابة بالتأكيد هي أن ما كان يحاول فعله لا يعدو أن يكون أمرين غير متطابقين، سعى في أولهما لجعل الأمور تبدو وكأن الولايات المتحدة والعراق قد وضعتا استراتيجية نسقتا فيها للقضاء على «داعش».

أصابع الاتهام

وتمثل الأمر المناقض الثاني في محاولة أوباما تخفيض سقف توقعات قتال «داعش» وتحويل وجهة اللوم وإلقاء مسؤولية الفشل على العراقيين.

وأشار أوباما بشكل واضح إلى أن النجاح في العراق يعتمد على توافر القوات الميدانية الموثوقة على الأرض، في حين أن القوات العراقية لم تحرز إلا القليل من النجاح ضد «داعش»، حتى الآن. وقد أبلى جيش البيشمركة الكردي والميليشيات الشيعية بشكل أفضل نوعاً ما، إلا أن أميركا لا تريدهم أن يحاربوا في مناطق خاضعة للسيطرة السنية، مخافة أن يساهم حضورهم في تعميق حدة الخلافات الطائفية القائمة.

يؤكد أوباما، بالتركيز على أهمية الجهود المحلية، على أن التحرك في مدينة الرمادي قد لا ينجح. ويشدد أيضاً على أنه إذا فشلت المساعي، فإن الخطأ يقع على القوات العسكرية التابعة للحكومة العراقية، لا الولايات المتحدة.

ويمكن من هنا ملاحظة كيف أن تلك الرسالة لا توحي بالثقة حول وجود الأميركيين والعراقيين في مركب واحد.

الحقيقة المأساوية هي أن الاستراتيجية الأميركية تبدو في الوقت الراهن مجرد استراتيجية احتواء. ويشكل الإعلان عن حملة ضد مدينة الرمادي ترتكز على قوات المشاة العراقية إعلاناً أقرب ما يكون إلى أنه لا أحد في الإدارة الأميركية يعول على فوز حقيقي في المستقبل المنظور.

ما لا يمكن للإدارة الأميركية التساهل فيه هو سقوط المزيد من المناطق العراقية، تحديداً العاصمة بغداد في أيدي «داعش»، لذا يتعين على أوباما الحفاظ على مظاهر الجهود المناهضة لـ «داعش»، وسيكون سعيداً حتماً بتحقيق العراقيين بعض الانتصارات. إلا أن الهدف غير المعلن يجب أن يبقي المقاتلين في حالة تأهب دفاعية، كي لا يضطروا لشن هجوم على ضواحي بغداد.

إذا فعلوا كذلك، وإذا أتى أداء القوات الحكومية ضعيفاً، كما كان بمعظمه، فسوف تدخل المدينة في حالة من الفوضى المرعبة. وسترد الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران الهجوم مدعومة من الطيران الأميركي، لكن مع ذلك سينتهي الأمر ببغداد إلى أن تكون مقسمة، يسيطر «داعش» فيها على بعض الأحياء السنية.

وسيفضي ذلك لأن يخرج أوباما كرئيس خسر الحرب في العراق، وليس كرئيس أنهاها. ويؤدي الأمر إلى التساؤل: طالما أن تنظيم «داعش» باقٍ فكيف يمكن لأي رئيس الخروج من العراق للأبد؟

تضارب

أرادت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، قبل بضعة أشهر، أن يصب العراقيون التركيز على استعادة مدينة الموصل ذات الأهمية الاستراتيجية. إلا أن العراقيين فضلوا التركيز على استعادة مدينة الرمادي التي لا تعتبر بالأهمية العسكرية عينها، إلا أنها تحتل أهمية سياسية بوصفها عاصمة السنة في محافظة الأنبار. وإذا بقيت الرمادي في أيدي «داعش»، فسيظل العراق يبدو أقرب إلى الدولة الشيعية، مما يؤذي شرعية حكومة بغداد.

وكانت المفاوضات أحادية الجانب، نوعاً ما، لأنه كان على العراقيين تأمين قوات المشاة لشن الهجوم. وإذا حجبت أميركا الدعم الجوي، فإن الجهود المناهضة لـ «داعش» ستكون مضمونة الفشل، وهو أمر يسيء لأوباما أيضاً.