ليس هناك من واجب أو مسؤولية أكبر على عاتق أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من اتخاذ قرار بشأن زج نساء ورجال أميركيين في قتال في الخارج قد يودي بحياتهم. وقد حضرنا في الآونة الأخيرة عدداً من الجنازات لجنود لم يعودوا وجالسنا عائلاتهم الغارقين في الحزن، بما يدفعنا لأخذ المسألة بأكبر قدر من الجدية.
ويعود واجبنا بجزء منه إلى الإعلان بوضوح تام وقبل البدء بأية عملية عسكرية عن الأهداف المتوخاة. ويعني هذا في مسألة الصراع مع «داعش» ضرورة فهم ما إذا كانت أميركا تستهدف التخلص من آخر عنصر في التنظيم، أو تفكيكه بحيث لا يظل يشكل تهديداً للولايات المتحدة.
وأعتقد أن الهدف الثاني هو الأقرب إلى نوايا الإدارة الأميركية، حيث إن التخلص من «داعش» تماماً أمر يتطلب وجود مئات ألوف الجنود الأميركيين في العراق وسوريا. وحتى لو كانت أميركا مستعدة للقيام بمثل هذا الالتزام، فإننا نحتاج لأن نتحقق من أن إقحام الجنود الأميركيين سيقربنا أكثر من هزيمة «داعش»، ومن أنه لا يوجد أي بديل آخر لتحقيق تلك الغاية. لكن بما أن إرسال الجنود يولد انطباعاً بأن الشباب الأميركي الذي يقاتل في أماكن بعيدة قد يقتل، يبقى ذلك الخيار هو الملاذ الأخير.
أسباب موجبة
لا يلبي إرسال فيالق الجنود الأميركي لقتال «داعش» تلك المتطلبات لأسباب ثلاثة رئيسية:
أولاً، لا أؤمن بجدوى المهمة، التي إن كان هدفها إرسال ما يكفي من المقاتلين لمساعدة وتدريب العراقيين، فلدينا عشر سنوات من الخبرة التي تؤكد أننا لا نجيد ذلك. وإن لم يتمكن مئة ألف أميركي بمعدل سنوي، من تدريب الجيش العراقي إلى حدّ يمكنه من الصمود وعدم الفرار من جنود «داعش» كما فعل في الموصل، فكيف يمكن لبضعة آلاف إضافية من الأميركيين أن يصلحوا أخطاء عقد كامل؟
ثانياً، أعتقد أن إرسال الجنود الأميركيين إلى كل من العراق وسوريا لقتال «داعش» من شأنه أن يحبط مساعي التوصل للهدف الأكبر المتمثل بالتسوية السياسية أكثر مما يساهم في تعزيزها. ويزدهر التنظيم حالياً في ظل الفراغ السياسي والاقتصادي القائم في المنطقة، وليس الفراغ العسكري. لذا طالما أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يحظى بجيش أميركي يعتمد عليه للسيطرة على «داعش» وإبقائه خارج بغداد، فلن يكون عليه ضغوط تدفعه للتحرك والقيام بما يلزم لتشكيل حكومة وطنية جامعة.
لقد شهدنا هذا السيناريو من قبل، سيناريو المدّ المتدفق، الذي ساهم بتأمين الاستقرار العسكري المؤقت، فيما سمح لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بتهميش المعارضة السنية على نحو أتاح لتنظيم «داعش» تمزيق أوصال البلاد. لننظر إلى ما حصل في الرمادي، التي اكتسحها جنود «داعش» لعدد من الأسباب، كان أحدها من دون شك تقاعس الحكومة العراقية عن إنشاء جيش سني، لأن البرلمان ذا الغالبية الشيعية يرى في إنشاء مثل تلك القوة تهديداً له. وإذا تدخلت الولايات المتحدة قائلةً: «سنخوض تلك الحرب بدلاً منكم» فلن يكون هناك من دافع لتشكيل قوة قتالية شاملة تتحدى اختبار الزمن.
روادع أعمق تأثيراً
أخيراً، إذا تأملنا مشكلة «داعش» من المنظور العسكري، فنرى أننا شكلنا رادعاً للاستثمار في الوسائل الفعلية التي تؤمن استقراراً طويل الأمد. ومن السذاجة القول إن الطريقة الوحيدة لتعزيز مصالح واشنطن في الشرق الأوسط تكمن في التحرك العسكري. سيما أن في نموذج العراق يثبت أنه تزامناً مع التحرك العسكري، دفعت أموال طائلة لقادة القبائل السنية لشراء ولائها.
لست أجادل حول ضرورة القيام بذلك مجدداً، لكن ذلك يوضح أن وجود برنامج سياسي اقتصادي حقيقي يمنح قادة القبائل سبباً آخر للنأي عن دائرة «داعش» ودعم الحكومة المركزية العراقية. وهناك أسباب أخرى لمحاربة التنظيم تتخطى نشر القوات الأميركية، حتى إن بعضها أقل تكلفةً، وأكثر إنسانيةً، وأعمق تأثيراً من السطوة العسكرية.
مصالح
إذا كان أحد يعتقد أن دور أميركا يجب أن يكون محاربة تنظيم «داعش» مباشرةً، فليس هناك أيضاً في السنوات العشر الأخيرة ما يشير إلى إمكانية تنفيذ تلك المهمة. لا شك في أن إرسال مئة أو مئتي ألف مقاتل أميركي إلى سوريا والعراق قد يمكننا من «الفوز» ضد التنظيم طالما أننا هناك، إلا أن حضورنا الميداني ستكون له آثار جانبية .
تؤكد الأوساط الاستخبارية أن وجود أعداد كبيرة من القوات الأميركية في الشرق الأوسط، يشكل المبرر الأكثر شهرة لحركة الإرهاب العالمية. ليست هناك من هدية أثمن للجهود العالمية في تجنيد مقاتلين «داعشيين» أكثر من نشر مئات آلاف الجنود الأميركيين في منطقة الشرق الأوسط.
