دفنت الجثث ومضى من غمرتهم مشاعر الحداد إلى بيوتهم، ليواجهوا حزنهم، عقب أحداث يوم الجمعة الدامية. وفي الكويت، كما في تونس وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا، تمضي العائلات في تأمل الحياة التي أصبحت فجأة تبدو أقل بريقاً مما كانت عليه.

ما الذي يأمل تنظيم «داعش» على وجه الدقة في تحقيقه من خلال هذه الهجمات الدموية؟ قد يبدو هذا السؤال غريباً بالنسبة للبعض، كأنما يسعى للوصول إلى لمحة من المنطق حيال أعمال بربرية، ولكن هناك منطقاً جهماً إزاء استراتيجية «داعش» الوحشية، فأعمال التنظيم ليست عشوائية، ولا تدفعها الكراهية الدينية بشكل خاص.

يعتبر هذا التنظيم معظم العالم كافراً، ولكن من منظور «داعش»، فإن فئة كبيرة ليس من المسيحيين واليهود والشيعة فحسب، وإنما فئات عديدة من المسلمين السنة، ينبغي أن يخضعوا لتفسيرات التنظيم الملتبسة، وإلا واجهوا عقوبات قاسية، من بينها الإعدام.

واللغة الطائفية التي يستخدمها «داعش» للحض على هذه الهجمات وتبريرها، هي في حقيقة الأمر جزء من استراتيجية مختبرة ومجربة للتفريق والحكم، وكما أن هذه الاستراتيجية أتت ثمارها في العراق، فإن «داعش» يعلق الآمال على أنها سوف تنجح في تونس وغيرها من البلدان.

واستراتيجية «داعش» أكثر عمقاً وأطول مدى وأكثر استفزازاً مما تبدو، فالتنظيم يرغب في تقسيم الجماعات وإفقار البلاد، لأن الجماعات المقسمة أسهل في حكمها، والبلاد التي جرى إفقارها تقدم شباباً يسهل تجنيده.

دعنا نبدأ بتونس، فالمسلح سيف الدين الرزوقي، الذي أعلن «داعش» أنه من عناصره، لم يشن هجومه فجأة، فقد وصف شهود العيان، كيف أنه كان يسير بهدوء على الشاطئ متخيراً ضحاياه، وقد تم اختيار ساحة الجريمة والضحايا بعناية بالغة. وإذا كان الرزوقي يرغب في التسبب في مذبحة، فلماذا لم يفتح نيرانه على الشاطئ فوراً؟

وبدلاً من ذلك، فإن مسلح «داعش» سعى لاستهداف السياح ذوي المظهر الأوروبي لضرب الاقتصاد التونسي.

هدف هش

ويشكل السياح الأجانب جانباً كبيراً من قطاع السياحة التونسي، الذي يعد هو ذاته أحد أهم قطاعات الاقتصاد في البلاد، والأمر الأكثر أهمية، هو أن السياحة هدف هش، فخلافاً، على سبيل المثال، للتعدين والتصنيع، وهما قطاعان هامان آخران من قطاعات الاقتصاد التونسي، تعد السياحة قطاعاً يسهل تخريبه، وللسبب نفسه، سبق للإرهابيين استهداف متحف باردو في العاصمة التونسية في مارس الماضي.

ويأمل «داعش» باستهداف الاقتصاد، إضعاف الحكومة التونسية، فالبلد الذي يناضل لتوفير العمل لمواطنيه، هو أيضاً بلد يقدم وعاء واسعاً من الشباب العاجزين عن الحصول على عمل لبدء حياتهم والتجذر في المجتمع، وفي صفوف هؤلاء الرجال، يجد «داعش» مجنديه الأكثر رغبة في الالتحاق بصفوفه.

وهجوم «داعش» في الكويت أيضاً، له منطقه الجهم، فالتنظيم يعلق الآمال على تقسيم الكويت، وقادته يأملون أنه من خلال جعل الكويتيين الشيعة يشعرون بأنهم معرضين للتهديد، فإنهم سيجعلونهم يبادرون إلى رد فعل تجاه الأغلبية السنية، وهو رد فعل، إذا حدث، يمكن لـ «داعش» عندئذ أن تقول إنه يظهر أن السنة يتعرضون للتهديد، ويحتاجون إلى الدفاع عنهم، ومنذ بداية التنظيم في العراق، سعى إلى تصوير نفسه على أنه مدافع عن السنة.

وبالنسبة لتنظيم «داعش»، فإن الهويات الطائفية يسهل التلاعب بها، ويتمثل أحد الأسباب، في أن قادة التنظيم يكرهون حدود الدول القومية أشد الكراهية، وكان من أول أعمالهم قبل عام مضى بعد إعلان «الخلافة الجديدة»، الزعم بأنهم قد قضوا على حدود سايكس بيكو- يتمثل في أن هذه الحدود تقدم ولاء بديلاً للعراقيين والسوريين الذين لم يتأثروا بما يحاول التنظيم الترويج له.

وعلى الرغم من أن قادة التنظيم يحاولون صياغة أفكارهم في لغة تتسم بالعداء للاستعمار، وبتبني مقولات التاريخ الإسلامي، إلا أن ما تقدمه، ليس إلا فكرة نفسية مبتذلة للغاية، تعد بمثابة دليل لاستراتيجيتهم. إن هذا كله، يجعل من الضروري بشكل أكبر، دعم فكرة الدولة الوطنية، وفي الكويت، يلفت نظرنا أن أميرها قال إن الهجوم قد استهدف «الوحدة الوطنية»، وأعلن يوم الهجوم يوم حداد للبلاد بأسرها.

لغة

اللغة التي استخدمها أمير الكويت أخيرا بالغة الأهمية، ذلك أن الكويتيين لا يلزمون الحداد على أشخاص ينتمون إلى طائفة، وإنما على مواطنين إخوة لهم في المقام الأول.

والمسلح في سوسة والانتحاري في الكويت لم يكونا يستهدفان الأجساد فحسب، وإنما كانا يسعيان لضرب فكرة الدولة الوطنية ذاتها، ولا بد للطوائف والحكومات أن تدرك ذلك، وأن تؤكد أن استراتيجية فرق تسد، لا يمكن أن تنجح .

ولقد كانت الاستراتيجية التي اتبعها «داعش»، خصبة، بشكل خاص في العراق، لأنه أوجد لنفسه فراغاً، وهكذا، فإن قادته فرقوا الجماعات والطوائف، وحكموها من خلال تقديم أنفسهم باعتبارهم مدافعين عنها.