يبلغ الشاب الذي تستجوبه لجنة التحقيق الدولية بشأن الجمهورية العربية السورية 16 عاماً، ويحمل رقم الشاهد 3823. وهو يتماثل للشفاء من إصاباته الخطيرة في أحد مستشفيات دولة مجاورة، بعد أن عجزت عن معالجته مستشفيات سوريا ،التي تتعرض لاعتداءات متعمدة وقصف عشوائي، وحيث يتم عن قصد منع المساعدات الطبية عن المجتمعات التي أكثر ما تحتاج إليها.

أصبح الصبي المعروف باسم «زد» واحداً من السوريين العشرة ملايين، الذين يشكلون نصف المجتمع السوري الفار بحثاً عن الرعاية والأمان.

وتعتبر سوريا من أكثر ساحات القتال في العالم فوضوية ودموية، حيث الآلاف من عناصر الميليشيات يخوضون حروباً داخل الحروب ويمزقون أوصال البلد وشعبه. وقال الشاهد الذي جرى التحقيق معه، إن إصابته ناجمة عن إسقاط طائرة هليكوبتر تابعة للنظام برميل متفجرات على قريته جنوبي محافظة درعا. وقد قتلت تلك الغارات الجوية عدداً لا يحصى من الأطفال. كما قتل آخرون أو أصيبوا بعد انهمار الصواريخ على مدينة دمشق على يد مجموعات مسلحة، وقتل طلاب المدارس وبترت أطرافهم بفعل تفجير السيارات المفخخة والتفجيرات الانتحارية لعناصر من جبهة النصرة.

سبق لملايين السوريين أن فروا من البلاد، وتركوا منازلهم وبلدهم. إنها معاناة لا تعرف جنساً، عرقا أو ديناً. السوريون برمتهم ضحية حرب دموية تقضي عليهم جميعاً.

فصّل أعضاء في لجنة التحقيق تلك الانتهاكات بحق القانون الدولي في تسعة تقارير منفصلة، وقراءات مستحدثة ودراسات موضوعية وخطب واجتماعات دبلوماسية. ويبدو أن المجتمع الدولي بعد أربع سنوات من الصراع في سوريا بات معتاداً على العنف. ولا زالت التقارير المتعلقة بالقتل أثناء الاعتقال، والاستخدام المتواصل للأسلحة الكيماوية على ساحة القتال وتجويع الناس حتى الموت عبر الحصار تستدر كلمات التعاطف. إلا أن تلك التقارير لم تقربنا من الحل السياسي، الذي اعترف به منذ وقت طويل على أنه المسار الوحيد لإنهاء الصراع في سوريا.

يسود الاعتقاد بأن استمرار الحرب في سوريا يمثل فشل الدبلوماسية، واتسم تحرك الدول المؤثرة لإنقاذ الوضع في سوريا بالمواربة، وأظهرت ممارساته استعداداً أكبر لتذكية الحرب بدلاً من العمل باتجاه إحلال السلام، كما أنها أججت نيران الصراع، وقوت المعتدين عبر مدهم بالمال والسلاح والمقاتلين. وأفضت النتيجة إلى جمود متأزم في الوضع الدموي المرير. تبديل خطوط المواجهة في تزايد دائم مبني على المكاسب التكتيكية للمتصارعين، في جو يخلق وهم إمكانية الحل العسكري للصراع في سوريا.

ولا تخشى الجهات التي تتحمل المسؤولية الأكبر عن ارتكاب الجرائم والانتهاكات والخروقات بحق السوريين أية عواقب. وقد أدى غياب التحرك الحاسم للمجتمع الدولي إلى تعزيز ثقافة الإفلات من العقاب الحصينة.

يعتبر خلق أجواء مواتية لقيام المفاوضات مسؤولية مشتركة في سوريا، لا يمكن تحقيقها إلا بوضع المصالح الوطنية الضيقة للبعض جانباً، وتوحد المجتمع الذي يحمل بذاته راية مثل حقوق الإنسان وحسب، بل إدراكاً عميقاً بأنه في ظل غياب السلم والعدالة عن سوريا، فإن العواقب ستكون خطيرة.

إراقة الدماء

غير أن الفوضى المستشرية في سوريا لم تعد حكراً عليها وحدها. سيما أن السوريين الساعين للجوء في أوروبا يغرقون في مياه المتوسط، في حين أن الشباب المسلم القادم من دول أخرى، والمشبع بالراديكالية عبر الإنترنت يشق الطريق إلى سوريا بهدف إراقة المزيد من الدماء على ساحات حرب غارقة بالدم.