أقر الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، بشكل أو بآخر، بفشل استراتيجيته في العراق من خلال طلب انضمام 450 مستشاراً عسكرياً إضافياً إلى العناصر الموجودة أصلاً في العراق، والبالغ عددها 3500 عنصر. لكن للأسف يبدو أن تلك الخطوة تندرج في إطار التصعيد الفاتر، الذي لم يفلح في التوصل إلى نتائج ملموسة حتى الآن.

لن تُستخدم القوات الجديدة المرسلة كجهة رصد إحداثيات وجذب للضربات الجوية ضد تنظيم «داعش»، وحتماً ليس لانضمام المقاتلين العراقيين في الصفوف الأمامية. كما لن تؤمن طائرات الأباتشي التغطية الجوية للجنود العراقيين. ولن يكون هناك مزيد من القوات الخاصة، التي تدير الهجمات ضد أهداف استراتيجية هامة. أما الضابط الأعلى رتبةً فلن يتعدى كونه ضابطاً برتبة ملازم أول.

استراتيجية الحد الأدنى

وبدلاً من ذلك، سيعمد المستشارون الإضافيون إلى دعم استراتيجية أوباما الحالية بالحد الأدنى من خلال إخضاع القوات العراقية وأفراد قبائل السنة لدورة تدريبية أساسية تمتد من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، في مؤشر قد يكون كافياً لتعليم المجندين كيفية المشي في استعراض عسكري، واستعمال بنادق الكلاشينكوف والحفاظ عليها.

وقال الضابط المتقاعد جاك كين في هذا الصدد، إنه في حين تثبت التدريبات جدواها، فإنه «لا يكفي تحويل المدنيين إلى مجموعة مطالب عسكرية فيزيولوجية ونفسية وانضباطية. كما أنها لا تتعامل مع مسألة القيادة لجهة الكمّ والنوع».

وتعتبر النقطة الثانية المطروحة أساسية لما يعانيه الجيش العراقي من شحّ كبير في وجود القادة الأكفاء والشجعان، سيما على مستوى القيادة التكتيكية. وقال أحد الجنود عقب سقوط الموصل:« لسنا من الفارين، بل لقد تركنا قادتنا بينما كنا نياماً، وهربوا بطائرات الهليكوبتر».

وهناك نقطة أخرى مشابهة تتعلق بالأسلحة التي تود الإدارة الأميركية اليوم إرسالها على وجه السرعة للعراقيين، بمن فيهم البيشمركة الأكراد وقبائل السنة، علماً أن الأكراد تحديداً باتوا يحتاجون لأسلحة أثقل عياراً لصدّ زحف «داعش» في الشمال. إلا أن مخاطر وضع أسلحة أميركية في أيدي جنود لا يحظون بقيادة سليمة لطالما كان ماثلاً في كل مرة يتخلى هؤلاء عن مواقعهم وعتادهم في وجه تقدم «داعش»، في وقائع سجل أحدثها سقوط الرمادي.

أهمية التحرك الجدي

يظهر انتشار عناصر الجيش الأميركي جدية التحرك الضروري لإقناع العرب السنة بالمخاطرة بحياتهم، والقتال ضد «داعش». لا يحظى الجيش العراقي ربما بالضباط الذين يستحقهم، إلا أنه على الأرجح سيمضي في المواجهة والقتال، إذا أدرك أن هناك طائرة أباتشي تمهد له طريق التقدم. وقد اتبعت هذه الديناميكية القتالية خلال حرب عام 2007، حين حفز النجاح الأميركي العراقيين، ودفعهم لدحر جيش المهدي من جنوبي مدينة البصرة عام 2008.

وتكمن المشكلة الجوهرية في استراتيجية أوباما بإصراره على إظهار أن الولايات المتحدة ليست عائدةً للحرب في العراق، الذي لا يفعل ما يكفي للفوز بحرب يقاتل فيها عنه. وقد تعهد في سبتمبر الماضي «بتفكيك» تنظيم «داعش» تمهيداً «للقضاء» عليه نهائياً، وهو تعهد يجب ألا يستخف به أوباما إطلاقاً. سيما وأن القصف المتقطع وحملة القوات الخاصة الخجولة، التي قام بها لم تتمكن من صدّ تقدم المقاتلين، أو دحرهم خارج المدن الغربية للعراق.

ولا تقتصر إشكالية تنظيم «داعش» على العراق وحسب، كما يحلو لأوباما تصويرها بهدف التقليل من حجم تهديداتها، بما يخدم أهدافه السياسية المحلية. فالتنظيم يشكل خطراً واضحاً على المنطقة باجتذابه المزيد من الموالين، ويمثل تهديداً إرهابياً للولايات المتحدة، بتحريضه الناس عبر الإنترنت وتجنيدهم في صفوفه. وقد وسع نطاق سيطرته منذ يونيو الماضي ليشمل لبنان وليبيا وأفغانستان ونيجيريا.

كلما صمد «داعش» في وجه أوباما الذي يتعهد بتدميره، كان أكثر استقطاباً لجيل الشباب المستعد للموت من أجل مفاهيمه المشوهة للإسلام. وكل يوم يمضي وجيش «داعش» غير النظامي يستولي على المناطق التي احتلها بوجه أعتى قوة عسكرية في العالم، كلما أصبح يشكل تهديداً أكبر للأمن الأميركي.

تدريب

يمكن معالجة الثغرات العسكرية بدون أدنى شك من خلال اعتماد برنامج تدريبات أقسى، علماً أن 450 مستشاراً إضافياً لتنفيذ المهمة لايزال رقماً متواضعاً. وطرح الجنرال كين، الذي كان دوره فعالاً في وضع استراتيجية أنقذت العراق عام 2007، مسألة تعيين ضابط برتبة نقيب في موقع قيادة تنفيذ المهمة، بحيث يكون شخصاً يتمتع بالنفوذ السياسي والنزعة التنظيمية، التي جعلت من ضباط كديفيد بترايوس وريموند أوديرنو صاحبي تأثير كبير في مجرى المعركة.

وتضمّن التصعيد القزم لأوباما إعداد قاعدة تدريب أميركية جديدة في محافظة الأنبار، في خطوة تشكل تقدماً كان يمكن أن تكون أفضل لو أصبحت المقر الرئيسي للفرقة القتالية.