لم يكد محمود شاوسي، المقاتل في صفوف الفرقة 166 الموالية لفجر ليبيا، يخرج من مقر السرية لتركيب كاميرا مراقبة جديدة، حتى سمع دوي انفجار سيارة مفخخة هز مقر قاعدته في مصراته.

 وعلى الرغم من أن فصيل شاوسي عالق في براثن صراع طويل بين تحالفين مناوئين للسيطرة على ليبيا، فإن بقايا السيارة المهشمة شكل تذكيراً ساطعاً بسطوة قوة أخرى تتغلغل في مفاصل البلد مقطع الأوصال، وهي تنظيم «داعش».

وقال شاوسي ،معلقاً على الهجوم الذي أودى بحياة اثنين من رفاقه وصدع جدران مقره :« لم أكن أتوقع حصول مثل تلك العملية، على الرغم من حدوث مثيلاتها في كل من العراق وسوريا، فهذه مصراته مدينتي.»

وتلخص تعليقات شاوسي طابع الزمن الذي تعيشه مصراته حالياً، تلك المدينة المتوسطية التي يتخطى نفوذها مساحتها، حيث السكان يرون أنفسهم مستعصين على القهر، وعلى اختراق أمثال مقاتلي «داعش» صفوفهم، على غرار مدينة سرت، المدينة الليبية الأخرى، التي شهدت القبض على الرئيس الليبي السابق معمر القذافي وموته عام 2011.

وكان المصراتيون، قبل سلسلة تفجيرات مارس ومايو الماضيين التي ضربت المدينة، يستخفون بتهديد «داعش»، ويلقون اللوم في بروزه كتنظيم على الموالين للقذافي. إلا أن المواقف تبدلت اليوم، وصار ضباط مصراته العسكريون والاستخباريون يحتفظون بصور قتلى جنود «داعش» على هواتفهم.

ويكمن الهدف بالنسبة لقادة مصراته ،من أمثال محمد إحساء، في حصر المواجهات مع التنظيم في سرت، التي تبعد 150 ميلاً عن مصراته، وقد قال: « (داعش) موجود في كل مدينة في ليبيا، ولو بأعداد صغيرة، لكن إذا استولينا على سرت فإن مصير تلك المجموعات الصغيرة سيكون الفناء، لأنها لن تحظى بقاعدة تدعمها.»

وكان «داعش» قد أحكم سيطرته على سرت في فبراير الماضي، ووضع يده على مجمع أوغادوغو الفخم، والمستشفى والجامعة والمحطة الإذاعية هناك. في حين أن قواته تطوق مدينة مصراته كما فعلت عام 2011، حيث تدور بعض المناوشات المتقطعة دون أن تصل إلى مرحلة القتال الحقيقي.

وتشكل مدينة سرت بالنسبة لليبيين، وفق إسماعيل شكري، المتحدث باسم قوات مصراته المطوقة للمدينة: «همزة الوصل بين الشرق والغرب، إذ إنها تنفتح على البحر شمالاً والصحراء جنوباً. »

دمرت مساحات واسعة من سرت بفعل معارك عام 2011، وشعر المقيمون هناك بالإهمال نتيجة تعاقب الحكومات الانتقالية. فجذب هذا الفراغ الأمني مقاتلين أجانب من شمال إفريقيا، ومقاتلين ليبيين عائدين من خطوط المواجهة في سوريا، والعراق، إضافة إلى مقاتلي «داعش».

وقام المسؤولون الليبيون في طرابلس والبيضاء بحشد عدد من الموالين ل«داعش» في البلد الغني بالنفط، وصل في حده الأقصى إلى 400 عنصر، رغم مزاعم البعض التي تشير إلى وصول العدد إلى أربعة آلاف عنصر.

ويقول أحد كبار ضباط الاستخبارات في مصراته: « يمنعنا الكبار في السن من القدوم إلى المدينة، ويقولون إن أبناءهم مع (داعش) وأنهم سيحلون المسألة بأنفسهم. ولا يريدون للمعارك أن تجري في المدينة ،بل في الصحراء».

ورم

يحذر القائد محمد إحساء، الذي يتحسر على غياب الوحدة الليبية والدعم الدولي بالقول: « التنظيم أشبه بورم خبيث ينتشر في ليبيا، وسيمتد إلى أوروبا إذا ما ترك دون رادع. وهو لديه موالون أصلاً هناك، ونحن لدينا تسجيلات هاتفية تؤكد تواصل عناصر التنظيم مع العمق الأوروبي.»