في واشنطن، المدينة التي يرتبط فيها أغلب الناس بطريقة أو بأخرى، سواء كانوا موظفين أو غير ذلك، بدائرة العلاقات العامة، فإن الشيء الذي يدخل المرء في أعمق المشكلات، هو قول الحقيقة المجردة. وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر، أكد ذلك بقوله ما كان يجب أن يكون واضحاً للعالم، لقد لام القوات العراقية لتمكن تنظيم «داعش» من السيطرة على مدينة الرمادي، قائلاً: «القوات العراقية أظهرت الافتقار لإرادة القتال، وكانت تفوق في العدد القوات المهاجمة، ولكنها على الرغم من ذلك انسحبت من المدينة».
وعلى الرغم من أن الدلائل التي تشير إلى أن النتيجة التي توصل إليها كارتر لم تكن اكتشافاً علمياً، وإنما خبراً مصوراً على شكل فيديو، يظهر مركبات القوات العراقية العسكرية تفر بسرعة من المدينة، إلا أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، انتقد بدبلوماسية، الدولة التي تساعد بلاده، بالقول: «أنا متأكد أنه قد تم إمداده بمعلومات خاطئة».
الانخراط في المعركة
وفي خطوة أميركية كلاسيكية، بادر جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، إلى الاتصال بالعبادي، لتفسير تصريح كارتر، الذي يعكس الافتقار للكياسة، رغم صحته.
البيت الأبيض أصدر البيان التالي: «نائب الرئيس، أكد التضحية الكبيرة خلال الشهور الثمانية الماضية للقوات العراقية في الرمادي ومناطق أخرى من العراق»، إلا أن هذه القوات التي ظلت الولايات المتحدة تدربها مدة ثمانية شهور، تخلت عن الحرب في ظروف حرجة، عندما سيطر تنظيم «داعش» على نحو ثلث العراق العام الماضي، وعلى الرمادي، أخيراً.
من جهته، صرح قاسم سليماني رئيس نخبة الحرس الثوري الإيراني، التي تساعد حكومة العراق الشيعية في مواجهة «داعش»، بأنه: «ليست لدى الولايات المتحدة أي رغبة في قتال التنظيم، وأنها تركت كل شيء للإيرانيين والعراقيين»، وأضاف أن الولايات المتحدة لم تفعل شيئاً لوقف تقدم التنظيم في الرمادي.
ادعاء سليماني الثاني يستحق المناقشة، فالرمادي كانت محاصرة لفترة طويلة من الزمن، إلا أن كلاً من الولايات المتحدة والحكومة العراقية، لم ترسلا قوات للمساعدة، وفي حالة الحكومة العراقية، فقد خشيت من تسليح القبائل السنية لمواجهة «داعش»، تحسباً لاستخدام هذه الأسلحة في المقاومة السنية ضدها.
تكلفة الحملات العسكرية
وبالنسبة لادعاء سليماني الأول، فإنه بحاجة للتحليل كذلك، فالرأي العام الأميركي سئم الحملات العسكرية في الخارج، خاصة في العراق، فالأميركيون الذين يشاهدون قطع تنظيم «داعش» لرؤوس بعض مواطنيهم، بعد إقدام الولايات المتحدة على استهداف تلك الجماعة، يريدون من الإدارة الأميركية الإقدام على تحرك واضح، لا سيما أن الخسائر البشرية الأميركية ليست عالية، ولم تتحول المواجهة إلى عملية عسكرية واسعة، وهذا يفسر السبب في أن الإدارة الأميركية حصرت نفسها في ضربات جوية غير فعالة، بدلاً من إرسال عدد كبير من القوات الأميركية إلى العراق.
وعلى الرغم من أن تعليقات سليماني صحيحة في العموم، إلا أن السؤال الرئيس هو: لماذا يجب على الولايات المتحدة التي تقف على الجانب الآخر من الصراع، الانخراط في المعركة؟ ورغم ذلك، يجب على الحكومة العراقية أن تقلق بشأن تنظيم «داعش»، الذي يشكل تهديداً كبيراً لمنطقة الشرق الأوسط، ويجب على إيران الأمر ذاته.
السبب الرئيس الذي قد يدفع تنظيم «داعش» إلى تشجيع المتطرفين على شن هجمات على الأراضي الأميركية، هو إخراج غير المسلمين من الشرق الأوسط. وفي ثمانينيات القرن العشرين، هاجم حزب الله، الذي وجد لمواجهة الغزو الإسرائيلي للبنان، وحدات أميركية، فأجبرت واشنطن على سحب قواتها من المنطقة.
ولدى خروج القوات الأميركية، غابت هجمات حزب الله تدريجياً على الأهداف الأميركية، وقد يحدث الأمر ذاته مع أي هجمات تشن ضد الأهداف الأميركية من قبل «داعش»، الذي يهتم بشكل رئيس بتأسيس الخلافة في العراق وسوريا.
أسباب
الهجمات ضد أميركا تحدث بفعل أن دولة غير إسلامية تهاجم أو تغزو دولة مسلمة، ولا يجب على المرء أن يتفق مع نهج الإرهابيين للتدقيق في دوافع هجومهم، فمنذ هجمات 11 سبتمبر عام 2001، لم تمتلك إدارة أوباما ولا إدارة بوش،القوة لاختبار هذه المسألة، وبدلاً من ذلك، فإن الأفعال اللاحقة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، تضاعفت.
ومن الناحية السياسية، فقدت جهود الحرب كثيراً من زخمها داخلياً، لأن الحكومة الأميركية طمأنت الأميركيين إلى أن الولايات المتحدة تفوز في المعركة، هجوم العدو الكبير كذب هذا الزعم، وحتى سيطرة «داعش» على الرمادي في العراق، وتدمر في سوريا، كانت الإدارة الأميركية تقول للأميركيين مجدداً، إن العدو في تراجع.
