قبل نحو عام، أدلى الرئيس الأميركي باراك أوباما بخطاب في كلية وست بوينت العسكرية، سعى من خلاله إلى وضع أسس رؤيته للسياسة الخارجية للفترة المتبقية من ولايته الثانية، وعلى الرغم من وضوح تنامي الصراع السوري آنذاك ومواصلة روسيا توغلها في أوكرانيا، تحدث أوباما عن الاعتماد أكثر على الدبلوماسية وعلى التحالفات الدولية.
وقال أوباما في خطابه إنه عندما لا تفرض القضايا التي تلقى اهتماما عالميا تهديدا مباشرا على الولايات المتحدة، وعندما لا تكون مثل هذه القضايا على المحك، وعندما تنشأ الأزمات التي تستثير ضمائرنا أو تدفع بالعالم نحو منحى أكثر خطورة من دون أن تهددنا بشكل مباشر، فإن الحد الأدنى للعمل العسكري يجب أن يكون أعلى. وفي مثل هذه الظروف ليس علينا مواجهتها بمفردنا، بل يجب أن ندفع بحلفائنا وشركائنا نحو أخذ موقف مشترك.
وبعد مرور أقل من شهر على إلقائه الخطاب، بدأ الرئيس الأميركي بإرسال مستشارين عسكريين لمساعدة الجيش العراقي، جراء سيطرة مليشيات تنظيم «داعش» على مدينة الموصل واقترابها من بغداد، وشنت الولايات المتحدة في أغسطس الماضي ضربات جوية لوقف تقدم «داعش»، وبعد مرور شهر على قطع التنظيم رأس الصحافي الأميركي جيمس فولي، دعا الرئيس الأميركي إلى بذل «الجهود المشتركة لاجتثاث هذا السرطان».
تغير الأولويات
إن تطور الاهتمام بمواجهة تنظيم «داعش» في السياسة الخارجية الأميركية مؤشر على مدى التغير على الصعيد العالمي منذ خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، فقد أخرج قواته من العراق، وهو القرار الذي لاقى انتقادات واسعة بالنظر إلى تقدم «داعش»، حيث سعى صناع القرار الأميركيون إلى الدفع لسحبه بالنظر إلى الانتصارات التي حققها التنظيم، أخيرا.
وتحدث أوباما أيضا عن إنهاء الحرب في أفغانستان، وهو ما تم تأخيره للسماح لمنح قوات الأمن الأفغانية الوقت الكافي للاستعداد لتسلم المهام الأمنية، وإلى جانب ذلك، فإن صفقة الملف النووي الإيراني تحرز تقدما، على الرغم مما تواجهه من معارضة أعضاء من الكونغرس وحلفاء أميركا، وعلى الصعيد الروسي فلم تحقق الولايات المتحدة تقدما في حمل موسكو على الخروج من أوكرانيا، على الرغم من العقوبات المفروضة على رموزها البارزة وشركاتها.
وأصر الرئيس الأميركي قبل عام على أن العمليات العسكرية ليست الحل الوحيد، ولا العنصر الأهم في حل كل المشكلات في العالم، وبالنسبة للذين انتقدوا محاولة الرئيس الأميركي إعادة هيكلة السياسة الخارجية لأميركا، فإن تغير أولويات العالم دليل على أن سياسته لم تكن محكمة.
من جهته قال انتوني كوردسمان، المحلل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «إحدى مشكلات أوباما إنه يلقي خطبا جيدة جدا، فهو قادر على وصف المشكلة بإتقان إلا أنه لا يواجه المشكلات الفعلية بحلول قوية»، وأضاف: «أحيانا يجب عليك أن تقول إن من الصعب حل هذه المشكلة الآن بالطرق المتوفرة لدينا، أو القول بأن لدينا أسبابا مقنعة للتدخل في مسألة معينة، لكننا لا يتوجب علينا افتراض أن حلفاءنا أو أن أحدا غيرنا سيحلها».
مذهب أوباما السياسي
وفي حديثه عن مساعدة أميركا الواضحة للشرق الأوسط اليوم، أشار إلى أن ليس هناك تقدم كبير في العراق، وبالكاد في اليمن، كما أن الوضع أسوأ في كل من سوريا وليبيا وأفغانستان، حيث لا يمكن لحليف ما ملء الفراغ الذي يخلفه انسحاب أميركا، وأوضح أن موقف حلف «ناتو» غير موحد، وهو ما لم يتطرق إليه أوباما في حديثه على الرغم من أهميته.
جاء خطاب أوباما في وست بوينت ليمهد لاستراتيجية محاربة الإرهاب، التي عرفها أوباما على أنها «أكبر تهديد لأميركا داخليا وخارجيا» مضيفا: «إنها الاستراتيجية التي تتضمن غزو كل بلد يؤوي شبكات الإرهاب، وأعتقد أن علينا تغيير استراتيجية مواجهة الإرهاب، بالاعتماد على النجاح والإخفاق في أفغانستان والعراق»، وأكد أن الدبلوماسية والاعتماد على الحلفاء الإقليميين لمواجهة المجموعات المتطرفة سيجنب الولايات المتحدة الخوض في قتال أوسع في الشرق الأوسط.
مواجهة
قال كبير محللي الأمن القومي الأميركي خوان زاراتي، قبل عام مضى، إن تنظيم «داعش» لم يكن موضوعا أساسيا يرتبط بالأمن القومي أو بالحرب على الإرهاب، ولا العامل الذي كشف عن محدودية الاستراتيجية التي وضعها الرئيس الأميركي باراك أوباما.
ومن جهته قال محلل السياسة الخارجية الأميركية ديفيد ميلر: «أوباما محاصر بين نهج أحادي الجانب لقتال الإرهاب باستخدام آلاف القوات الأميركية البرية ونهج متعدد الجوانب يعتمد على الحلفاء الإقليميين وهو ما أثبت عدم جدواه»، وأضاف: «أوباما يبحث عن طريقة لمواجهة (داعش) وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وحتى الآن لم يجدها».
