شكلت زيارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى واشنطن في الآونة الأخيرة، فرصةً للبيت الأبيض، ليس لصقل سياسته تجاه العراق وحسب، بل للبت في كيفية إجراء الترتيبات ضمن استراتيجية أميركا الأوسع في الشرق الأوسط.
وتقتصر سياسة واشنطن الإقليمية، في الوقت الحاضر، على تحقيق ثلاثة أهداف، تتمثل في هزيمة «داعش» في العراق، ثم في سوريا، وشل المجموعات المتشددة الأخرى في المنطقة، التي قد تهدد الولايات المتحدة، أو حلفاءها، وإنهاء الاتفاقية النووية مع إيران بنجاح ثالثاً.
كان من شأن الغزو الأميركي للعراق عام 2003، أيام الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، والطريقة التي خرجت بها القوات الأميركية من هناك في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، أن تترك العراق ضعيفاً، وتبدل في موازين القوى في المنطقة لصالح دولة إقليمية أخرى. وأسفر ذلك عن تنافس إقليمي، أدى إلى تعميق خطوط الصدع، وتقوية المتشددين، وتحويل المظالم المحلية إلى حروب إقليمية بالوكالة في كل من سوريا واليمن.
لقد راقبت إدارة أوباما عن كثب، المكاسب الميدانية المهمة التي حققتها القوات العراقية ضد «داعش»، أخيراً، وساهمت الهجمات الجوية الأميركية، في هزيمة التنظيم في تكريت. ويبقى التحدي الذي ينتظر العراق اليوم، متمثلاً في تغيير الظروف الأساسية التي سمحت ببروز «داعش»: وتتمثل بالنخب الفاسدة، وضعف القوات العراقية، فضلاً عن تأثير القوى الإقليمية المتنامي، والشعور بتهميش السنة.
لقد ولد تنظيم «داعش» من رحم القاعدة في العراق، وأحيته الحرب الطائفية الأهلية في سوريا، والسياسات السابقة. ما لم يتم حلّ مشكلات العراق الجوهرية، فلن تكون الانتصارات العسكرية التكتيكية ضد «داعش» مستدامة، ولن تحول دون انبثاق تنظيم آخر شبيه من رحمه في المستقبل.
وحدهم سنة العراق وسوريا قادرون على هزيمة «داعش»، وهم لن يقاتلوه، إلا إذا أدركوا أن ليس بإمكانه الفوز، وأن هناك بدائل أفضل، وحين يتلقون الدعم من الحكومة العراقية وأميركا. ولم يتم، حتى الآن، سوى إحراز القليل من التقدم حيال مساعدة السنة في مواجهة «داعش». ولا يزال مستقبل العراق معلقاً على تسويةٍ حقيقيةٍ، ولا مركزية السلطات. وفي حين يعي العبادي الحاجة لنقل المزيد من السلطات إلى حكومات الأقاليم، يواجه تحدياً يكمن في تفوق قوة عناصر خارجة عن الدولة على الدولة نفسها. كما أنه يجابه قيوداً أكثر من سابقه لجهة العجز عن القيام بالإصلاحات المنشودة، على الرغم من النوايا المعقودة.
وتتطلب مساعدة العبادي، إضافةً للأسلحة، تسوية في المنطقة، وتعزيز دمج العراق إقليمياً، والتنوع الاقتصادي.
لا تستحدث المنطقة استقرارها، ولا تملك قرار صراعاتها. الاستقرار في المنطقة يتطلب توازناً أفضل بين السلطة وهندسة الأمن الإقليمي. يجب أن تتحلى أميركا بالجرأة، وتستغل فرصة الاضطراب القائمة، لتلعب دوراً متجدداً في المنطقة.
لقد ساهم تلكؤ التحرك الأميركي في العراق، في زعزعة المنطقة، ويكمن مفتاح استقرارها الأولي في العراق.
ازدواجية
يشير المراقبون إلى عدم الاتساق في نهج الولايات المتحدة في المنطقة، وذلك من منطلق المعايير المزدوجة التي تعتمدها في تعاملها مع كل دولة، لا سيما لجهة دعمها طرفي نقيض في حربها بالوكالة في العراق. تحتاج واشنطن لأن تفهم ديناميات المنطقة بشكل أفضل، إذا كانت ستسهم في إحلال الاستقرار، بدلاً من مفاقمة الصراع.

