وصف الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح يوماً حـــكم اليمن بأنه شبكة من التـــحالفات المعقدة، وهي التحالفات التي ساعدت على إبقائه في سدة الحكم لعقدين من الزمن، حتى موعد إزاحته عن السلطة خلال أحداث الربيع العربي.
وقبل وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه في اليمن أخيرا، لعب صالح البالغ من العمر 73 عـــاماً، بعد إخراجه من السلطة، دوراً محورياً في حالة الفوضى التي تعم دول الشرق الأوسط. وقد ساعد بــروزه مجدداً، ومسألة تبديله الولاءات في بلد هو الأكثر فقراً في العالم، على إشعال معارك إقليمية بالوكالة تعـــود بمخاطر جمة على إدارة الرئيس الأمـــيركي باراك أوباما.
وقال بليغ المخلافي، المتحدث باسم حزب العدالة والبناء، الذي كان جزءاً من الحزب الحاكم في اليمن إلى أن انفصل عن صالح خلال أحداث الربيع العربي: «لقد خسر صالح كل شيء عام 2011، وكان مستعداً للتحالف مع الشيطان، إذا ما تطلب الأمر لضمان فشل عملية الانتقال، وهذا ما حدث بالفعل».
تبدل التحالفات
وقد تحدث عن تبدل صالح عدد من المسؤولين من حزب المؤتمر الشعبي العام، وحوثيون، وأعضاء حكومة هادي، ودبلوماسيون في مقابلات أجريت معهم.
وضع صالح خلافاته مع الحوثيين جانباً، بعد أن هز انفجار مسجد قصره عام 2011 بينما كان يصلي، وتركته محاولة الاغتيال تلك مع آثار حروق غطت 40 في المئة من جسمه، وخلفت الشظايا جراحاً عميقة، وجمجمة مكسورة.
وقال بعض العارفين بطريقة تفكير صالح إنه يضع اللوم المباشر على دولة إقليمية، واتهم في وقت لاحق اللواء محسن الأحمر، نائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات البرية بالتصرف بناءً على طلب تلك الدولة.
وقال أحد الدبلوماسيين العرب لقد كانت تلك هي اللحظة التي قرر فيها صالح التحالف مع الحوثيين لاستعادة مكانته في اليمن. إنه السيناريو التقليدي القائل إن (عدو عدوي هو صديقي)، وهذا هو مبدأ صالح لمناهضة الثورة.
بناء على الولاءات
كان صالح، بعد الإطاحة به عام 2012 لا يزال يحظى بولاء بعض وحدات الجيش، فاتصل بالحوثيين وتقدم إليهم بعرض ينطوي على التحالف، وتحقيق الانتقام من الأحمر وحكومة هادي. وقال البعض إنه حرض بعض وحدات الجيش الأساسية ضد الحكومة، بينما كان الحوثيون يسيرون بتظاهرات في صنعاء.
وفي مطلع عام 2013، أرسل صالح مبعوثاً محملاً برسالةٍ إلى عبد الملك الحوثي، زعيم الحوثيين جاء فيها آسف لمقتل أخيك على يد القوات التابعة لي. وتم عقد صفقة بين الطرفين أكدها أحمد البحري، أحد كبار زعماء الحوثيين، رافضاً الخوض في التفاصيل، مشيراً إلى أن تفكك الجيش سهل تقدم الحوثيين.
وقال سامي الجنيد، أحد أعضاء حزب المؤتمر الشعبي العام التابع لصالح، والمقرب من صالح نفسه لم يكن للحوثيين أي حليف آخر في اليمن. ولولا حزب المؤتمر لكان الحوثيون بمواجهة اليمن بأسره.
وبينما خفض الرئيس هادي رتبة العسكريين الموالين لصالح، اتصل الأخير بالقادة المستائين من قوات الاحتياط الدفاعي والجوي النخبوية، التي كانت يوماً تحت إمرة ابنه أحمد، الذي انتدبته حكومة هادي ليصبح سفيراً في الخارج ويبتعد من طريقها. إلا أن وحدته قد انشقت، وفق قول مساعدي صالح، وأجبر على الاستقالة من منصبه كسفير فيما بعد.
وقد وافق قادة مختلف الوحدات العسكرية بعد أن وعدوا بمناصب أعلى لقاء ولائهم لصالح، على الانسحاب إلى معسكراتهم بينما تقدم الحوثيون نحو العاصمة صنعاء في سبتمبر الماضي. وتعرض القصر الرئاسي للهجوم، واستولى الحوثيون في غضون ساعات على منزل هادي، ففر إلى عدن، ثم توجه إلى السعودية.
ويقول مراقبون للأوضاع في اليمن إنهم يلاحظون وجود ملامح تبدل آخر لصالح الذي غدا بارعاً جداً في الرقص فوق رؤوس الأفاعي.
وختم مخـــلافي بالقول سينتهي تحالف صالح مــح الحوثيين فقط إذا حصل على عرض سياسـي أفضل. لقد تصادف أن كان الحوثيون القوة الوحيدة الصاعدة، وهذا ما دفع صالح للتحالف معها.
تحالفات دالة
تدعم الولايات المتحدة السعودية، وبعض القوات المسلحة في اليمن بوجه تحالف نابع من اعتماد متبادل ينص على حاجة صالح للحوثيين لاستعادة إرث عائلته السياسي، في الوقت الذي يستند تمرد هؤلاء بقوة على انشقاق الوحدات العسكرية الموالية لصالح.
إلا أن الحوثيين يصرحون بأن لا خطط لديهم لتنصيب صالح أو ابنه في سدة الرئاسة، ويضعون تحالفهم معه في إطار المصلحة المشتركة الرامية للتخلص من الأعداء المشتركين.
وقد تدخلت السعودية في اليمن، أخيراً، بعد أن أدى الصراع إلى إقصاء الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى المنفى. أما الولايات المتحدة، التي وضعت صالح على لائحة العقوبات المالية، لتحالفه مع المسلحين، فتزود حملة القصف الإقليمية ضد الحوثيين بالدعم الاستخباري واللوجستي.

