كانت مدينة نمرود الأشورية تقف شاهداً على الزمن منذ ثلاثة آلاف عام. لكنها لم تعد كذلك اليوم، بعد أن بث تنظيم «داعش» شريط فيديو يظهر عملية تدمير المدينة وتفجيرها، وتفتيتها لتصبح مجرد غبار متطاير في الهواء. وقال أحد المقاتلين تعليقاً على ذلك: «أينما استطعنا، في أي بقعةٍ من الأرض سنزيل علامات الوثنية وننشر العقيدة». وكانت نمرود قد تعرضت لاعتداء الجرافات منذ فترة قصيرة في حادثةٍ صنفتها اليونيسكو بجريمة حرب، ووصفتها بأنها عملية «تطهير ثقافي».

تبقى أي محاولةٍ لفهم طبيعة الفلسفة التي يمكن أن تحفز هذا النوع من المعاداة للثقافة مشوبةً بالأخطاء على الأرجح، إذا ارتكزت على سوء الفهم الشائع الذي يعتبر أنه لمثل هؤلاء الناس أي فلسفة مترابطة أصلاً. وتكون المقاربة الأقرب ربما بتشبيههم بحارقي الكتب النازيين الذين سعوا لاستئصال كل أشكال الكتابة التي كانوا يعتبرونها مصدر تهديد لهم. علماً أن ذاك التهديد بالنسبة للنازيين كان حقيقياً على الأقل.

لطالما دارت النقاشات التي تشير بتأكيد مقنع إلى أمية مقاتلي «داعش» الدينية، وأنهم لا يفقهون عمق العقيدة التي يدعون القتال في سبيلها. كما أن إقدامهم على تدمير التراث الأثــري لمنطقة الشرق الأوسط يدل على أنهم لا يلمون كذلك بالتاريخ، فالعراق كان مسلماً لألف وأربعمئة عام، دون أن تعيق أطلال الحـــضارات الأخــرى طابعه الديني المسلم.

لقد شن تنظيم «داعش» الحرب على تراث العراق وسوريا لسنوات، ومن المعروف أنه قام بمهاجمة مختلف المتاحف والمدن بدافع أساسي هو النهب والتهريب. ومن الصعوبة بمكان أن نعرف ما سيكون عليه ردّ المجتمع الدولي، إذا وجد، إزاء الاعتداء على الحضارة والتراث.

وقد يتساءل بعضهم كيف يمكن للعنف الموجه ضد التاريخ وشواهده أن يشكل صدمةً للبعض، في ظل العنف الذي أظهر التنظيم استعداده للقيام به ضد كائنات حية تتوسل الرحمة. لاسيما وأن الاستنكار لا يجدي نفعاً هنا، بل قد يشكل سبباً آخر لدعم استئصال «داعش» من العراق وسوريا وأينما كان.