بعد قرابة أربع سنوات من إطاحة المتمردين المدعومين من حلف «ناتو» بنظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، غرقت البلاد في الفوضى والاضطراب.
وتجلى فشل انتخابات العام الماضي في التوصل إلى وحدةٍ سياسية في ليبيا بشكل أكثر وضوحاً مع رفض حركة «فجر ليبيا»، التي تضم المجموعات المسلحة والميليشيات، لنتائج تلك الانتخابات واستيلائها على الحكم في طرابلس. أما الحكومة الأخرى المعترف بها دولياً، فانتقلت إلى طبرق الواقعة شرقي ليبيا قرب الحدود مع مصر. وأنشأت «فجر ليبيا» حكومة مناهضة عرفت بالمؤتمر الوطني العام في العاصمة.
وانضمت بعض القوى إلى حكومة طبرق وحاربت «فجر ليبيا»، فبدأ الصراع الداخلي يتجه تدريجياً نحو التدويل. وشنت مصر هجمات جوية استهدفت الحركة، في حين ساد الاعتقاد أن بعض الدول الأخرى قد زودت التحالف بالدعم على مختلف المستويات. وساهم ظهور «داعش» في عدد من المناطق الاستراتيجية الحيوية في ليبيا بتعقيد الأمور أكثر في الدولة الإفريقية الأغنى بمصادر النفط، وأثار مخاوف أمنية في الدول المجاورة.
لقد كان الفريق خليفة حفتر من الموالين بدايةً للقذافي، ولعب دوراً هاماً كأحد «الضباط الأحرار» في ثورة 1969. إلا أنه عاد ليحارب ضد نظام القذافي في مارس 2011 بعد عودته من أميركا، حيث عمل هناك بين الأعوام 1990 و2011. وتؤكد بعض المصادر أنه خرج عن طور التعاون مع واشنطن بحلول العام 2011، إلا أن آخرين يصرون على أن الولايات المتحدة هي من نظمت عودته إلى ليبيا.
دعا حفتر العام الماضي إلى حل البرلمان الليبي بشكل أحادي، وإنشاء «لجنةٍ رئاسية» تحكم البلاد حتى موعد الانتخابات الجديدة. وأشار إلى ما أسماه «انتفاضة» ليبيا كتبرير لتولي الجيش زمام الأمور. ورأى المراقبون في خطوته تلك محاولةً تهدف إلى القضاء على الخصوم السياسيين.
على الرغم من أن كثيرين في حكومة ليبيا يعتبرونه جنرالاً متعطشاً للسلطة، إلا أن حملته المتواصلة ضد الجهات المتشددة قد أكسبته الداعمين تدريجياً. وشن حفتر في مايو الماضي حملةً أطلق عليها «عملية الكرامة» من أجل «التخلص من المجموعات المتشددة» في البلاد. وحصد من ذلك الحين دعماً واسعاً من حكومة طبرق، التي رأت فيه الرهان الأفضل للقضاء على المتشددين.
بدأت الأمم المتحدة، في ظل رفض حفتر التفاوض مع حركة «فجر ليبيا» باستضافة محادثات في المغرب بين مختلف فصائل ليبيا في جهود رامية لتوحيد الصف بوجه خطر «داعش» المتنامي.
إلا أن تلك الجهود قوضها غياب الثقة، واقتناع حفتر أنه بقليل من الدعم الخارجي قد يحقق الفوز عبر الحرب لا الدبلوماسية. في الواقع، منذ انهيار نظام القذافي، وليبيا قد تحولت إلى مرتع للفوضى، حيث يغيب أي أمن حقيقي خارج حدود طرابلس وبنغازي.
مضاعفات الاضطراب
لقد أطلق سقوط القذافي تسونامي جيوسياسية امتدت عبر إفريقيا وصولاً إلى الشرق الأوسط، وأصبحت ليبيا اليوم أكبر مخزن للسلاح السائب، محاطةً بحدود حافلة بالمنافذ، التي تشهد خروج ودخول المسلحين من كل الأطياف. وقد أثار استخدام «داعش» للأراضي الليبية بهدف ترهيب الدول الأخرى وتهديدها، المخاوف الدولية.
ويشير عدد الدول الواهنة والفاشلة في إفريقيا إلى أن الشبكات الدولية ستواصل استغلال السلطات المركزية الضعيفة وغياب القانون على طول بلدان الساحل النامية، كما في مناطق أخرى من القارة السمراء لفرض سيطرتها. وبغياب أي حل سياسي للحرب الأهلية الدائرة في ليبيا تحديداً، فإنها ستظل كدولة فاشلة غنية بالنفط، عرضة لاستهداف المتشددين التواقين للسيطرة عليها وسط مستنقع المعمعة المتواصلة.
بروز حفتر
برز الفريق خليفة بلقاسم حفتر كقائد قوي في النزاع الدموي في ليبيا، إلا أنه كان مثار شقاق. ففي مطلع مارس الماضي، تم تعيين حفتر المناهض لتحالف المتشددين في «فجر ليبيا» كقائد للقوات المسلحة الموالية لحكومة طبرق. وقد اكتسب حفتر، لدوره أيام القذافي، وعلاقته القريبة من واشنطن، والشكوك المتعلقة بطموحاته على المدى البعيد، صيتاً مثيراً للجدل في أوساط الليبيين. إلا أنه كسب احترام من يشاركونه عداءه للمتشددين.

