إحدى مفارقات واشنطن الأكثر تحزبا هي أن سياسييها وصناع القرار فيها يواصلون الدعوة إلى تبني "استراتيجية" محددة دون النظر إلى ما يتجاوز البعد العسكري، وإحدى طرق خسارة الحرب هي فقدان رؤية الهدف، ويبدو أن هناك منافسة مفتوحة بين الإدارة الأميركية والكونغرس بشأن إغفال الهدف.

والمسألة الرئيسية في كل من العراق وسوريا، وفيما يعالج غالبا على أنه "حرب ضد داعش"، هي كيفية تحقيق أي استقرار له معناه في أي من البلدين، فالانتصارات العسكرية هي في أفضل الأحوال أداة لتحقيق هدف، ويمكن بالفعل جعل الأمور أسوأ إذا لم يتم ربطها بمجموعة من الأهداف الاستراتيجية الكبرى.

وأي نموذج دائم وذي مغزى للنصر في العراق يعني وجوب انطلاقه من سياق الصراع الحالي وإيجاد بعض الحلول للانقسامات الطائفية العميقة بين العرب والأكراد والسنة والشيعة، ولا بد من وجود مستوى معين من الأداء الحكومي والأمني والقدرة على التحرك نحو مسارات عملية للتطوير. الاستقرار الشامل

الاستقرار في العراق يتطلب أيضا اهتماما بالغا بالأزمة الاقتصادية، التي يعاني منها بسبب الانخفاض الحاد في صادراته النفطية والعائدات، وأدى التأثير الكبير على التطوير ووجود الفرص الاقتصادية بفعل المعارك الدائرة وهيكلية الحكم إلى تقييم البنك الدولي للاقتصاد العراقي بأنه أحد أسوأ الاقتصادات العالمية، وأنه فاسد بشكل كبير، بحيث أن وكالة الشفافية الدولية قيمت معدل الفساد في العراق بأنه الدولة رقم 170 من حيث الفساد من إجمالي 175 دولة.

المساعدات ليست استراتيجية بموجب هذه الظروف، ولا ارسال القوات الأميركية أو أي قوات خارجية إلى العراق أمرا ناجعا، ويعد القتال أمرا ضروريا، إلا أنه وسيلة أخيرة يمـــكنها الإتــيان بفوائد جانبية، ما لم توجد استراتيجية ذات جدوى لإيجاد سلام أشمل فـــي السياسة والحكم والتطوير.

الحرب في سوريا

والوضع في سوريا أسوأ من ذلك بكثير، ويكشف عن مشكلة إضافية، وهي ما إذا كان من الممكن تأمين العراق في حال ظلت سوريا محاصرة في الحرب الأهلية، ويشمل حجم المأساة الإنسانية نصف عدد الشعب السوري، وبحسب وكالة التنمية الدولية فإن مجموع عدد السوريين الذين يحتاجون للمساعدة وصل إلى 12.2 مليون شخص في ديسمبر عام 2014، حيث شرد نحو 7.6 ملايين من هؤلاء داخل سوريا بعيدا عن منازلهم ومدارسهم وأعمالهم، واضطر 3.8 ملايين شخص للخروج من البلاد بحلول يناير عام 2015، وتشير التقديرات إلى أن عدد السوريين الموجودين في مناطق المعارك الذين لم يتمكنوا من الحصول على المساعدات وصل إلى 4.6 ملايين شخص.

ولا يبدو أن الخيار العسكري يساهم في إحلال العناصر الثلاثة الرئيسية في سوريا وهي الأمل والأمن والاستقرار، كما لا يبدو أن تدريب نحو خمسة الاف مقاتل سنويا لأداء مهمة غير معروفة لدعم فصيل مجهول للانضمام إلى حكومة ما أمر ذو جدوى، ويبدو أن المجموعات الثورية الموجودة في المنفى أضعف من أن يعقد عليها الأمل في تحقيق أمر يذكر.

وبالنسبة إلى الخيارات العسكرية، فلماذا لا يتم إنشاء منــــطقة عازلة في الشمال؟ قد يخفف ذلك ضغط اللاجئين السوريين في تركيا، إلا أنه يطرح سؤالا عن كيفية ايجاد فصيل رابح يمكنه الحكم وعن هدفه؟

وبالنسبة إلى توسيع الحملات الجوية لمقاتلة قوات الرئيس السوري بشار الأسد، ففي مصلحة أي فصيل سيصب ذلك الأمر؟ جبهة النصرة أم "داعش" أو التحالف الدولي الذي تقوده أميركا والذي يقصف شرقي العراق؟

هل يكمن الحل في ارسال قوات أميركية لدعم أي فصيل؟ وهل للتعامل مع حرب أخرى في حين أن الفصائل المدعومة من قبل إيران تمثل تحديا يمكن حله فقط عبر إيجاد وسيلة لإنشاء حكومة قوية وموحدة؟

سياسة أوباما

ولم يدعم الرئيس الأميركي باراك أوباما أو الكونغرس خطة تتجاوز نهج التنافس في استخدام القوة، ولم يركز أي طرف على الأهداف التي يمكنها إيجاد حل حقيقي، وليس هناك خطط واضحة لمرحلة ما بعد الصراع، ولا استثمار حقيقي في المخاطر والاحتمالات، ولا جهد حقيقي في تعريف وتوفير مصادر ذات مصداقية، وهذه كلها عناصر أساسية لإيجاد استراتيجية ذات جدوى، واستخدام القوة في أفضل حالاتها ليس إلا وسيلة لتحقيق هدف، وهذه وسائل يجب على الكونغرس وإدارة أوباما وضعها في الاعتبار لتحقيق نجاح دائم، وهو ما فشلوا فيه حتى الآن.

إحصاءات دالة

قيمت وكالة المخابرات الأميركية معدل دخل الفرد في العراق بـ 7,100 دولار سنويا، وذلك قبل بدء الحرب، مقارنة بـ 12.800 دولار لإيران الخاضعة للعقوبات، و 31.300 دولار للفرد في المملكة العربية السعودية.

وعلى غرار العراق قدر البنك الدولي الحكم في سوريا بالسيئ، وذلك قبل الحرب الأخيرة بفترة طويلة، وأشارت وكالة الشفافية الدولية إلى وجود تقارب بين نسبة الفساد في سوريا والعراق. وقدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية معدل دخل الفرد في سوريا بـ 5.100 دولار عام 2011، أي قبل بدء الحرب.

وتقدر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عدد الذين قتلوا في الحرب في سوريا بأكثر من 220 ألف شخص، والجرحى بثلاثة أضعاف عدد القتلى، أي نحو 660 ألفا، ووصل مجموع عدد الضحايا إلى 880 ألفا في يناير عام 2015.