هل سيقوم العالم باتخاذ شيء لإيقاف الجماعات المتشددة ومنعها من تدمير الآثار الأكثر أهمية في عطاء الحضارات في الشرق الأوسط؟
فرض هذا السؤال نفسه على الحكومات الغربية بشكل عاجل أخيراً، منذ بث شريط الفيديو الذي يقوم فيه المتشددون بتحطيم منحوتات تاريخية في متحف الموصل، وأعقب ذلك تقارير متعددة تفيد أن المتشددين قد هاجموا المواقع الأثرية الآشورية في نمرود وحطرة . وقد أهاب المسؤولون العراقيون بالمجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات لوقفهم، ولكن أحد لم يحرك ساكناً حتى الآن.
ووصف جون كيري وزير الخارجية الأميركي هذا التدمير بأنه :« واحد من أفظع الهجمات على تراثنا المشترك الذي قدر لأي منا أن يراه على امتداد عمره».
وقالت إيرينا بوكوفا المديرة العامة لليونسكو :« ليست هذه مأساة ثقافية فحسب، وإنما هي أيضا قضية أمنية مع قيام الإرهابيين باستخدام تدمير التراث سلاحاً من أسلحة الحرب». وأدان مجلس الأمن الدولي «التدمير المستهدف» للمواقع والآثار الدينية من قبل «داعش» وجبهة النصرة.
ولكن الأمم المتحدة تقول إنها عاجزة عن التعامل مع هذا التهديد، وتدعي الحكومات الغربية أنها لديها أهداف عسكرية أكثر إلحاحاً.
هذا أمر خاطئ على نحو خطير، فالعالم باستنكاره لهذه الجريمة وعدم قيامه بشيء ربما يحقق للمتطرفين غايتهم.
هجمات استراتيجية
ومنذ عام 2011، عانت خمسة من المواقع الستة المسجلة في قائمة التراث العالمي من قبل اليونسكو في سوريا من ضرر كبير، وقامت جماعات مختلفة باستخدام أربعة منها للأغراض العسكرية في انتهاك مباشر للبروتوكولات الدولية. ودمرت قنابل الأنفاق البلدة القديمة في حلب ، كما استهدفت مآذن يمتد عمرها إلى ألف عام، وقصفت قلاع تعود إلى القرون الوسطى بالقنابل، ونهبت مواقع أثرية يونانية وبارثينية.
وقد حول تنظيم «داعش» مثل هذه الهجمات إلى استراتيجية صريحة، فسيطر على المواقع الأثرية القريبة من مدينة الرقة الشمالية، وحول عمليات النهب المحلية إلى نشاط أعمال واسع النطاق. واستخدم الوسائط الاجتماعية لبث صور تدمير المساجد والمقابر والمكتبات وغيرها من الأماكن التي تنتمي إلى الجماعات المعارضة له.
استجابة المجتمع الدولي
ولكن لماذا لم يستجب المجتمع الدولي لنداءات إنقاذ هذه الكنوز الحضارية؟ يرجع جانب من المشكلة إلى أن قوانين التراث الثقافي أصبحت قديمة العهد، فمعاهدة لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الملكية الثقافية في حالة الصراع المسلح ، والتي تحظر استهداف مواقع التراث واستخدامها للأغراض العسكرية، وضعت في الحروب التقليدية بين الدول، وقد أضاف بروتوكول ثان صدر في عام 1999 الحماية في الحروب الأهلية، ولكن سوريا والعراق ودول أخرى لم تصدق عليه، وسلم مسؤولو الأمم المتحدة بأن الاتفاقية لم تتوقع التدمير المتعمد من جانب الجماعات المتطرقة غير الحكومية.
ومن المؤكد أن أي تدخل لحماية المواقع الثقافية ينبغي أن ينفذ بعناية بالغة، فلو أن الغرب تدخل لحماية موقع التراث العالمي، برغم أنه لم يفعل شيئاً لوقف تدمير الأضرحة والمقابر التي تعني الكثير بالنسبة للسكان المحليين، فإنه سيوقع ضرراً أكثر مما يفعل خيراً. ودعم السوريين والعراقيين لحماية المباني والآثار والمكتبات والمتاحف ربما يتعين القيام به بشكل سري.
ولكن وسط الأدلة القاطعة على أن حملة «داعش» الوحشية ضد الثقافة تصل إلى أن كونها جريمة حرب، فإن العالم لابد له من أن يكون على استعداد لاستخدام القوة لوقفها، اليوم قبل الغد.
