أتى حين من الدهر كان من الوقاحة فيه، على امتداد العالم العربي، سؤال الناس عن دينهم أو مذهبهم، حتى لو كان واضحاً من أسمائهم ولهجاتهم، أو الأماكن التي يقيمون فيها، أو الصور المعلقة على جدرانهم أنهم من السنة أو الشيعة أو أنهم مسيحيون.

في أيام ما بعد الاستعمار المجيدة، كان التركيز على هوية قومية عربية شاملة، وتباهت سوريا التي تضم تكوينا فسيفسائيا من السنة والعلويين والدروز وكثير من المسيحيين، بأنها «قلب العروبة النابض». وحتى في لبنان، الذي يتسم بترتيبة تفصيلية في تقاسم السلطة، ظلت الهوية الدينية شيئا خاصا، وكان الزواج العابر للمذاهب والأقليات شيئا شائعا.

وكان حزب البعث، الذي حكم في كل من بغداد ودمشق، نتاج أفكار ميشيل عفلق المفكر الأيديولوجي المسيحي المعروف، وكان زعيمان فلسطينيان بارزان هما جورج حبش ونايف حواتمة مسيحيين، وكذلك كان جورج أنطونيوس مؤرخ القومية العربية مسيحيا.

وفي العراق، الذي شكله البريطانيون من ثلاث ولايات عثمانية، كانت الجماعات السائدة هي غالبية من الشيعة وأقلية من السنة والأكراد، وقد حاول الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو سني، صهرها جميعها، فتعرضت كلها للقمع.

دفعت الثورة الإيرانية في عام 1979 بالتغيير في العالم العربي قدما. وفي عام 2003، عندما أطيح بصدام حسين، كانت الأغلبية الشيعية في صدارة المحتفلين بهذا التطور.

تعكس النزعة المذهبية خلافات دينية في الشرق الأوسط، وقد مضى بها بعضهم أخيرا إلى تحديد هوية الآخر، ولكنها ارتبطت على الدوام بالسلطة والموارد والأراضي.

وعلى امتداد السنوات الأربع الماضية، عظمت الحرب الوحشية في سوريا المشاعر المذهبية، بحيث تم الجمع بين العلويين وبين الرئيس السوري بشار الأسد، وتم الجمع بين السنة والمعارضة.

هكذا فإن هذه النزعة المذهبية رفعت رأسها في السنوات الأخيرة. وقد عمل الكثيرون لتحقيق هذه الظاهرة، وسهلت الوسائط الاجتماعية انتشار رسائل مسمومة قوامها الافتقار إلى التسامح.

غير أن هذه النزعة المذهبية ليست السبب الرئيسي في الانقسامات في الشرق الأوسط، فأزمة اليمن المتفاقمة تشمل الحوثيين المنتمين إلى المذهب الزيدي الشيعي، ولكنهم كانوا قريبين من المذهب السني السائد في البلاد، والدعم الذي حصلوا عليه من إيران كان يدور في المقام الأول حول اكتساب حلفاء وإظهار القوة..

وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفع السعودية إلى التصدي المسلح للحوثيين. ويلاحظ المراقبون أنه في المغرب العربي، حيث بدأت ظاهرة الربيع العربي بالثورة التونسية، فإن النزعة المذهبية ليست قضية مطروحة، وذلك برغم أن التطرف قد انتشر بفعل التأثر بالحرب في سوريا ونمو تنظيم «داعش». وفي ليبيا والمغرب والجزائر، فإن حقوق البربر وولايتهم مهمة، ولكنها ليست بؤرة الأزمة.

ويتعين علينا أن نتذكر أن اليقظة العربية بدأت في كل مكان بدعوات إلى الإصلاح العلماني، حيث ارتفع عاليا التأكيد على أنه أيا كان الانتماء القبلي أو الديني أو العرقي أو المذهبي للمرء، فإن ما كان يطالب به العرب هو الكرامة قبل أي شيء آخر.

وعقب ذلك برزت الميول المذهبية إلى الأمام. ومع تراجع التحولات، شرع الناس يختارون بصورة متزايدة التعريف بأنفسهم على أسس عقائدية، وليس على أسس سياسية.

الإخوة الأعداء

العرب الآن هم مثل الإخوة الأعداء، فكل جماعة فرعية تلوح بهويتها الدينية أو العرقية لتواجه الجماعات الفرعية الأخرى في حرب عبثية يتحول فيها الجميع إلى خاسر كبير. وهكذا فإن تعرض العروبة للسقوط كهوية موحدة من شأنه أن يشكل بداية لسلسلة من الحروب الأهلية بين الأشقاء، وهذه الحروب ما ان تبدأ فإنه ما من أحد يعرف متى وكيف ستنتهي.