إذا وضعنا جانباً التوترات السائدة في العالم، فإننا نجد أن الحرب الأهلية تمزق أوصال العراق وسوريا وليبيا، وأخيراً، اليمن. وبالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لليمن على باب البحر الأحمر، وبالتالي، قناة السويس، وقربه من دول الخليج، سيما المملكة العربية السعودية التي تتشارك معه حدوداً ومنافذ على امتداد 1800 كيلومتر، ندرك أن أزمة اليمن لا يمكن تجاهلها.
يعزا ترنح أسواق النفط في جانب منه، إلى الأحداث المتقلقلة في شبه الجزيرة العربية. ويكشف ذلك، سواء أعجبنا الأمر أم لا، أنه لا يمكن تنحية التوترات في الشرق الأوسط جانباً. وقد تكون الاتفاقات التي تعقدها أميركا مع بعض دول المنطقة ضرورية، إلا أنه من غير المرجح أن تشكل تلك الإنجازات بالضرورة تغييراً في الديناميكيات الميدانية على أرض الواقع.
نظرية غير مطابقة
بررت وزيرة خارجية أميركا السابقة كوندوليزا رايس اجتياح إسرائيل للبنان عام 2006، بوصفه «آلام مخاض ولادة شرق أوسط جديد». إلا أن الظروف الراهنة تثبت أنه بدلاً من حالة الولادة، فإن الشرق الأوسط يشهد إطلاق قوى ثبت أنه يستحيل السيطرة عليها، وأن التخلص منها قد يستغرق جيلاً بأكمله.
ويشكل تنظيم «داعش» أحد أبناء تلك الولادة غير الشرعيين. ويعتبر اليمن أكثر من مجرد مثال وحيد على تزعزع الوضع في الشرق الأوسط، أو كما وصف أحد وزراء الخارجية العرب الوضع بالقول: «يشكل اليمن أزمة وجودية للمنطقة بأسرها».
ويتجلى، بما لا يمكن إنكاره، أنه من بين العواقب الخطرة الكثيرة غير المقصودة للعدوان الأميركي على المنطقة، مواصلة نشر سيطرة إيران وزيادة تأثيرها.
وفي نظرةٍ على امتداد منطقة الشرق الأوسط، نرى أنه ما عاد من وجود للحكومة المركزية في ليبيا، حيث اتخذت القيادة هناك، ملجأً لها في شرق البلاد. أما في سوريا، فيواجه حكم الرئيس السوري بشار الأسد تحدياً دائماً يفرضه واقع الحرب الأهلية الممتدة ألسنتها اليوم إلى اليمن.
اتفق القادة العرب المجتمعون في شرم الشيخ، أخيراً، على إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركةٍ من أجل مواجهة ما وصفته وكالة «رويترز» بأنه «تهديدات أمنية متزايدة ممتدة من اليمن إلى ليبيا، في ظل وضع إيران ثقلها والانخراط في حرب بالوكالة هناك».
مخططو الشرق الأوسط
أما في واشنطن، فإن واضعي الخطط الاستراتيجيين سيدخلون كل تلك العناصر ضمن حساباتهم، لاسيما ما يتعلق بالقرارات التي تحتاج لأن تتخذ حيال مستوى المساعدة التي ستقدمها الولايات المتحدة للمملكة العربية السعودية والدول الأخرى.
وفي مقال لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بعنوان «أميركا، السعودية، والأهمية الاستراتيجية لليمن»، يتوصل الكاتب والمحلل أنطوني كوردسمان إلى خلاصة مفادها أن أميركا لا تملك إلا خيار الانخراط بشكل أكبر إلى جانب السعودية في اليمن، على نحو يتخطى هجمات الطائرات الموجهة عن بعد التي نفذتها يوماً ضد تنظيم القاعدة وتوابعه.
وكتب كوردسمان يقول: «سبق للولايات المتحدة أن أفصحت عن أنها ستقدم الدعم اللوجيستي والاستخباري، إلا أن الوضع في اليمن قد يتطلب القيام بأكثر من ذلك، ويتضمن نوعاً من الدعم القتالي الأميركي وممارسة الضغط الدبلوماسي على إيران. حيث إن اليمن، في السياق الاستراتيجي الأوسع نطاقاً، تبدو الأزمة فيه جزءاً من المعادلة الاستراتيجية الأميركية السعودية الذي يعتبر التنسيق بينهما أساسياً لتشكيل نوع من الردع والاستقرار الاستراتيجي المفضي إلى احتواء بعض القوى الإقليمية في المنطقة».
لا يشكل اليمن واجهة دول الخليج، إلا أنه بوقوعه على مقربة من الدول المنتجة للنفط يعتبر مثار قلق أساسياً، سيما وأنه يطل على بوابة البحر الأحمر من خلال باب المندب الذي يشكل صلة وصل استراتيجية أو ممراً مبدئياً إلى بلدان المتوسط عبر قناة السويس والمحيط الهندي.
وقال كوردسمان: «يشكل أي وجود جوي أو بحري مـــعاد في اليمـــن تهــديداً لكامل حـــركة التجارة في قناة السويس». وتعتبر هذه الحسابات مصيرية بالنسبة للمخططين الاستراتيجيين في واشنطن وعواصم دول الشرق الأوسط الصديقة.
تأثير تاريخي
ربما قادت توجهات الرئيس الأميركي باراك أوباما في اتباع سياسة خارجية متراجعة، بعض أفضل النوايا، مضافةً إلى واقع يعكس إنهاكاً أميركياً على جبهات القتال الإقليمي، وجفاف طاقتها ومواردها، إلا أن قدرة أميركا على ممارسة تأثير في سير الأحداث في منطقة الشرق الأوسط الكبير كانت أقل مستوىً منذ أزمة السويس عام 1956.
بعد 50 عاماً مضت على دعم قوات الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر للضباط الأحرار اليمنيين في قلب النظام الملكي في اليمن، وجدت مصر نفسها، أخيراً، في صف واحد مع المملكة العربية السعودية في جهود موحدة لمنع سقوط اليمن في أيدي إيران.
