حتى وقت قريب جداً، لم تكن فكرة إقامة وحدةٍ ذات هدف داخل العالم العربي إلا مجرد تفكير بالتمني، ويعود السبب في ذلك، أولاً، إلى تفضيل الدول العربية الحفاظ على أولوياتها السياسية الداخلية والخارجية. وكانت كلمة «وحدة» مجرد تعبير يتم تناقله في الأوساط السياسية، لا أكثر. وقد يتطلب الأمر حصول العديد من الأزمات المختلفة في عدد من الدول العربية، التي تركت أثرها على الأمن الإقليمي، ودفعت أعضاء جامعة الدول العربية إلى وضع خلافاتهم جانباً، في خدمة الصالح العام.

وقد تفتحت براعم التغيير، وبدت للعيان بقوة في مؤتمر التنمية الاقتصادية، الذي انعقد في مصر، أخيراً. وكان سيل الدعم المعنوي والمادي الذي تلقته القاهرة من حلفائها من الدول العربية غامراً، وترك عميق الأثر في نفوس الحاضرين، سيما رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب. كما أنه أتى بمثابة دعوة لها، وهي الدولة العربية الأكثر كثافة سكانياً، لتستأنف دورها القيادي، وشكل منبراً إيجابياً مفضياً إلى إقامة جسورٍ جديدة، وترميم أخرى قديمة بين بلدانٍ شهدت علاقاتها الكثير من التوتر.

وبرز أحد المؤشرات القوية الدالة على تفتح براعم التآزر على شكل دعم دبلوماسي وعسكري للتدخل العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية في اليمن، لاستعادة سلطة الرئيس اليمني الشرعي عبد ربه منصور هادي، وتحرير اليمنيين من قبضة جماعة الحوثيين، المسلحة والممولة من إيران، ولحماية باب المندب الاستراتيجي المتصل بقناة السويس، كما بخليج عدن والمحيط الهندي. وقد حصلت عملية «عاصفة الحزم» على مباركة عدد من القيادات العربية الأساسية، باستثناء دول أخرى، مثل لبنان وسوريا والعراق، تخضع لتأثير إيران.

تمت تلبية طلب هادي المؤثر للمساعدة باستجابة فورية من المملكة العربية السعودية، وحلفائها من دول الخليج، ومصر والأردن والمغرب والسودان وباكستان، بشكل أذهل الكثير من المراقبين. أما الفرق بين هذا التدخل العربي والصراعات السابقة التي شاركت الدول العربية فيها، فشاسع، سيما أن القرار اتخذ بشكل مستقل، ومن دون العودة إلى قوى الغرب أو مجلس الأمن في الأمم المتحدة. وصادف، في غضون ذلك، أن أعلنت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما موافقتها على هذه الخطوة، وقامت بتوفير الدعم اللوجستي والاستخباري للعملية.

لم يعد خافياً على أحد أن القيادات العربية قد فقدت ثقتها بقدرة قوى الغرب على المساعدة في حلّ الأوضاع المتدهورة في كل من سوريا وليبيا والعراق واليمن. تلك كانت وجهة النظر السائدة في العالم العربي، والتي عبّر عنها عدد من رؤساء الدول العربية في الكلمات الموجهة للوفود المشاركة في قمة جامعة الدول العربية التي عقدت، أخيراً، في شرم الشيخ.

واتفق القادة العرب على الحاجة لمجابهة إيديولوجيات الإرهاب والتشدد، حيث قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن عمق هوية «أمتنا» و«نسيج مجتمعاتنا» يخضعان لتهديد المتشددين، الذين نسفوا جميع القيم الدينية سعياً لتحقيق مكاسب إقليمية وسياسية. وأيد السيسي تشكيل قوة دفاعية عربية مشتركة بالتوافق مع مبادئ القانون الدولي لحماية أية دولة عربية مهددة.

في النهاية، يبدو أن صفحةً جديدةً قد فتحت في سجل العلاقات العربية- العربية، في دليل يؤكد أن المصالح العربية المشتركة والنوايا الحسنة تتغلب على الصراعات القديمة.

مواقف واعترافات

أقر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود بـ«الواقع المؤلم» المتمثل في انتشار الصراع، الطائفية، سفك الدماء والتدخل الأجنبي في عدد من الدول العربية. أما أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، فوجه نقداً للمجتمع الدولي لعدم القيام بأي تحرك إزاء الأحداث، بينما أشار الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، إلى تخلي الأمم المتحدة عن مسؤولياتها حيال الاحتلال المستمر لفلسطين، وأبدى إدانته للمجتمع الدولي، وفشل جهوده في وقف سفك الدماء في سوريا، وهو عجز أقر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بـ«شعوره بالعار والغضب» حياله.