تابع المراقبون دور المقاتلات الأميركية في قصف مدينة تكريت العراقية ودعم الحملة البرية ، التي شنتها بغداد، أخيراً. وحملت هذه العملية صفة «الانتقام» من مجزرة تنظيم «داعش» في يونيو الماضي، وتم تنفيذها من دون العودة لواشنطن، وسادت مشاعر النصر دوائر الحكومة العراقية وتأملت بسرعة سقوط معقل الإرهابيين المتحصنين في بلدة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
لكن مقاتلي «داعش»أطالوا أمد القتال مع سيل المجموعات شبه المسلحة، التي ضمت في الواقع أقلية من الجنود العراقيين الفعليين،. وعاد هذا بجانب منه إلى لجوء التنظيم لتكتيكات التمرد القاتلة، التي كان يعتمدها تنظيم القاعدة من قبله ضد القـــوات الأميركية الأكثر احترافاً تجهيزاً.
السلاح الميداني
يسيطر «داعش» عـــلى مساحات شاسعة من العراق، ويملك عــدداً مجهولاً من معامل تصنيع القنابل، ولأنه يعرف المكان جيداً، فقد تمكن من تفخيخ البيوت والطرقات. وكشف أحد القادة الأكراد أن مقاتلي البيشمركة وحدهم قد «عطلوا وفككوا ما يزيد على ستة آلاف متفجرة على طول الجبهة الممتدة 650 ميلاً مع (داعش) منذ بدء الحرب في أغسطس الماضي.»
وأتى تأثير ذلك على الميليشيات هائلاً، وقد نشر ديريك هارفي المسؤول الاستخباري الأميركي السابق تغريدة عبر تويتر، أخيراً، نقل فيها عن مصدر عراقي شيعي قوله إن عدد رجال الميليشيات القتلى في حرب تكريت قد وصل إلى أكثر من ستة آلاف قتيل على الأرجح.
ويبين ذلك أن مشاعر النصر التي استعرضتها الميليشيات، بإيعاز من ماكينة الدعاية الإقليمية، أثبتت أنها في غير موضعها. وقال جيفيري وايت، المحلل الاستخباري الأميركي السابق كذلك: « هناك نقص في الإرادة من جانب الميليشيات والقوات النظامية التابعة للحكومة العراقية. فهم لا يتمتعون بالرغبة والتصميم الكافيين للاستمرار بصورة أكبر في القتال نظراً لعدد الضحايا في صفوفهم.»
مطالبة متأخرة
لذا قدمت الحكومة العراقية التي صرفت سابقاً النظر عن الحاجة لقوة جوية أميركية، طلباً في اللحظة الأخيرة، مخافة تحقيق الخصم لنصر سهل ومحرج لها.
إلا انه كان ينبغي بالشهور القليلة الماضية أن تكشف أن الاعتماد بشكل غير مباشر على عناصر شيعية أجنبية لقيادة حرب برية مقبولة ضد المتشددين من «داعش» لطالما كان فكرة مغلوطة لثلاثة أسباب: أولاً، تلك العناصر الأجنبية المقاتلة على أرض العراق تكره الولايات المتحدة، وقد هددت بضرب مصالحها في العراق؛ ثانياً، إنها تشعر بالذنب إزاء الفظاعات «الداعشية»، ثالثاً، إنها تقاتل بشكل أخرق حركات التمرد .
وقال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية أمام مجلس النواب الأميركي، أخيراً: « إننا نراقب بحذر ما إذا كانت الميليشيات، التي تسمي نفسها بالحشد الشعبي، ستنخرط بأعمال فرض العقاب والتطهير العرقي في العراق.» لم يكن بحاجة لأن يراقب طويلاً لأن هذا ما بدأ تنفيذه فعلاً على الأرض.
وتوصلت منظمة «هيومن رايتس واتش» بعد الاستماع لشهادات شهود عيان إلى أن الهدف الواضح كان التطهير العرقي، وقالت: «إن عمليات التدمير التي طالت 47 قرية على الأقل، ذات أغلبية سنية تمت بشكل ممنهج، ومدفوع برغبة في الانتقام، ومقصود به تغيير التركيبة الديمغرافية لمحافظتي صلاح الدين وكركوك العراقيتين المتنوعتين تقليدياً.»
ويترافق هذا الواقع مع عدد من مقاطع الفيديو المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي تصور وتشهد على ممارسات الميليشيات المشابهة لتنظيم «داعش»، من حيث قطع الرؤوس، وعمليات التعذيب وتوظيفها كوسيلة للتجنيد.
يبدو أن واشنطن تتصرف اليوم وكأنها تحتاج لإذن تلك القوى الإقليمية لمواصلة استراتيجيتها الخاصة لمحاربة الإرهاب. علماً أن كريس هارمر، المحلل الحربي يتساءل عن أي استراتيجية نتحدث.
ولا يواجه فقدان ثقة المعتدلين السنة في أميركا بالعراق إلا نظيره في سوريا، حيث تعتبر تلك الفئة هناك أن الأميركيين لا يمكن الاعتماد عليهم، وهم السبب في انهيار المعارضة المعـــتدلة في سوريا، وبروز جهات مستفيدة متمـــثلة بالــــقاعدة، و«داعش» ونــــظام الرئيس السوري بشار الأسد.
الحقيقة الواضحة هي أن العراق سيبقى في المدى البعيد، ولاية يتحكم بها قادة دينيون، في وضع لا يقود إلا لمزيد من العنف الطائفي والحروب الأهلية.
محصلة مخيفة
أسفرت سياسة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما القائمة على مناهضة الإرهاب في الشرق الأوسط، ومساعيها الدبلوماسية الهادئة للتوصل إلى تسويات مع قوى إقليمية، عن التقليل من أهمية جرائم الحرب الخطيرة المرتكبة على يد عملاء تلك القوى ووكلائها، في مشكلة لا تقتصر أبعادها على العراق وحسب.
ويثير هذا التساؤل عما إذا كانت للولايات المتحدة «مصلحة مشتركة»، على حد قول وزير الخارجية الأميركية جون كيري، مع بعض الدول الإقليمية التي تعمل قواتها بالوكالة على حرق المنازل بمن فيها، وتعتمد التطهير العرقي لبعض القرى السنية العراقية وتسويتها بالأرض.
ويقر كل من الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس ومسؤول الاستخبارات الكردي مسرور برزاني بواقع واضح، مفاده أن الميليشيات تشكل على المدى البعيد خطراً على استقرار العراق يضاهي خطر «داعش».

