لم يقتصر الاعتداء، الذي طال متحف باردو الوطني التونسي، أخيراً، وأودى بحياة 21 شخصاً، غالبيتهم من السياح الأجانب، على المتحف وحسب، بل طال تونس برمتها. وهي ستظل عرضةً للاعتداء لأنها دولة علمانية ديمقراطية سابحة في محيط دول تفتقر لهذا النوع من الأنظمة.
ادعى تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الاعتداء، علماً أن السلطات الرسمية نسبته لخلية من المقاتلين متعددي الولاءات، بما في ذلك «أنصار الشريعة». وتتلاطم في العالم العربي أمواج غير مسبوقة من التشدد الذي يتم تمويل جزء منه على يد المتعاطفين، ويفاقم حدته، لسوء الحظ، «حرب أميركا على الإرهاب». لكن الوقت قد حان للغرب كي يقرر ما إذا كانت الديمقراطية اليافعة في تونس تستحق الإنقاذ.
من العراق إلى ليبيا وسوريا واليمن، تشكل الديمقراطية في المنطقة كارثةً كبرى، وتتوق الدول، التي نجت من أضرار العنف إلى شرق أوسط أكثر استقراراً، كما إلى فرصةٍ لإيجاد السبيل، والإيفاء بتعهداتها اتجاه شعوبها.
يمكن لتصرف جريء من جانب الولايات المتحدة أن يحدث فارقاً مهماً. إذا نظر الغرب إلى تونس على أنها بصيص ضوء في الفلك السياسي العربي المظلم، فإنه قد يساعد البلاد على صد الاعتداءات الإرهابية. إلا أنه إذا اختار تملق إنجازات تونس بوعود كاذبة، فهناك خطر بفشل الحكومة المنتخبة حديثاً، في وضع ينذر بعواقب خطيرة.
وترجع ديمقراطية تونس العلمانية إلى العديد من العوامل الثقافية، كالطباع المسالمة للشعب، وثقافة الطبقة المتوسطة السائدة، واحترام مبدأ المساواة بين الجنسين، والاهتمام بالتعليم، والاعتدال الديني، والتسامح الاجتماعي.
وقد أثنى العالم بأسره على الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تونس لاتسامها بالشفافية والعدالة والمواصفات الحضارية. كما تعهد الرئيس التونسي السبسي في يناير الماضي باحترام الدستور العلماني للبلاد، والدفاع عنه.
لا يمكن للإرهابيين المتشددين المعتدين على متحف باردو تقبّل مثل هذا المستقبل المشرق الموعود لتونس أو إدراك أهميته. ذلك أن نجاح تونس كدولةٍ ديمقراطية لا يتناسب مع مفهومهم الضيق المنحرف والمستبد والعدمي. ولن يتوقفوا إلى أن تعلن تونس ولاءها لهم.
ماذا يمكن للولايات المتحدة أن تفعل لتونس في ساعة حاجتها تلك؟ يُشكر الرئيس الأميركي باراك أوباما على اتصاله بالسبسي، أخيراً، إلا أن كلمات المواساة أقل بكثير مما تستدعيه متطلبات الوضع الراهن. يتعين على أوباما تحديد موعد زيارة لتونس يعلن فيها أنها ضمن الحلفاء الاستراتيجيين لأميركا، على قاعدة القيم والمصالح الديمقراطية المشتركة.
أما مجلس النواب الأميركي فيجب أن يدعو السبسي لزيارة رسمية أولى لأميركا، وأن يزيد قيمة المساعدات الاقتصادية والعسكرية والمالية البالغة 61 مليون دولار فقط اليوم، سيما أن قطاع السياحة في تونس تأثر باعتداء باردو الأخير.
تحتاج تونس لأكثر من مجرد بادرة رمزية لمقاومة التشدد المصمم على شل اقتصادها، كما أنها بحاجة، بعد أربع سنوات من الإدارة المالية الخاطئة لمؤتمر دول مانحة يضم البلدان الغربية الأساسية.
القطاع الأمني في تونس عرضة للتزعزع أيضاً، ويتطلب دعماً ينطوي على تجهيزات عسكرية واستخبارية، تمكنه من حماية حدوده مع ليبيا الغارقة في الفوضى، وداخله المتأثر بعودة 500 مقاتل من «داعش». ينبغي للتعاون الأمني أن يضم بلدان «ناتو» أيضاً، حيث ان المتشددين يعتبرون أوروبا هدفاً لهم كما تونس.
لماذا الانتظار لحدوث مأساة أخرى من طراز باردو للتعامل مع هذا التهديد؟ فالمخاطر التي تتهدد الغرب من خلال اعتداء تونس الأخير تحاكي مخاطر اعتداءات باريس في يناير الماضي، حيث جبهة القتال واحدة.
فرصة أميركية
يحظى مجلس النواب الأميركي وإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بفرصة تعديل حكم المؤرخين على تدخلات أميركا المضللة في الشرق الأوسط من خلال تقديم العون إلى قصة النجاح الوحيدة لهذه الحقبة، سيما وأن إنجازات تونس السياسية تحمل أهمية خاصة كونها ليست حصيلة التدخل الأميركي المسلح.

