قد تتجلى الذكرى الأبرز حول مؤسس سنغافورة الراحل لي كوان يو بإنجازاته الكبرى في البلاد، وتحويلها من دولةٍ فقيرة ناشئة يعمها الفساد، إلى الدولة الأولى في العالم دبلوماسياً واقتصادياً. إلا أن لي كوان يو كان يتسم أيضاً بأنه يعد مراقباً فطناً للنظام العالمي، وكان يعتبر على نحو واسع، هنري كيسنجر الشرق.
كان لي كوان يو في موقع فريد يخوله تقييم الحوكمة والسياسات الخارجية لكل من الولايات المتحدة والصين. وقد كان يقدم النصح لرؤساء أميركا جميعاً، بدءاً بريتشارد نيكسون، وقادة الصين جميعاً أيضاً، بدءاً بدينغ شياو بينغ، الذي طلب استشارة لي كوان يو حين كان على وشك إطلاق عجلة الإصلاح الاقتصادي في الثمانينيات، والتي حفزت نمو الصين السريع.
إذاً، ما الذي كان يمكن لكوان لي أن يقوله في تقييم الولايات المتحدة، كما تبدو عليه اليوم؟ سيشير على الأرجح إلى تعافي أميركا الاقتصادي كما إلى الفوائد الاستراتيجية والاقتصادية بعيدة المدى التي حققتها في سوق الطاقة العالمي. وقد يلاحظ كذلك المنافع الديموغرافية، بعد أن كتب منذ بضع سنوات قائلاً: إن الولايات المتحدة ستظهر بمظهر «القائد المتقدم في السن ببطء، لعالم يهرم بسرعة».
رفض لي كوان بشدة الحديث عن التراجع الأميركي، وشدد على أن قدرة أميركا على الحفاظ على تفوقها في إدارة شؤون العالم تعتمد على مرونة تمركزها في آسيا والهادئ. حيث إنه في الوقت الذي ركزت الولايات المتحدة على توثيق الروابط العسكرية والدبلوماسية هناك، وظفت الصين ثقلها الاقتصادي، واستخدمت لائحة بالمبادرات الجيو-اقتصادية لجذب جيرانها. من المرجح أيضاً أن يوجه لي كوان يو نصيحتين أخريين لأميركا، فيدعوها في الأولى إلى عدم السماح لحرب سوريا وفظاعات «داعش» باتخاذ الأولوية على حساب إعادة تموضعها في آسيا الهادئ. وسيحض في الثانية الجمهوريين والديمقراطيين على تجاوز انقساماتهم الإيديولوجية، وتبني سياسات اقتصادية تعالج مسألة الديون.
لا شك أنه يمكن لأميركا الاستفادة من جرعة الحكمة والتحليل الهادئ للقائد الراحل لي كوان يو.
