هناك فراغ سياسي خطير يحوم حول كيفية دعم المعارضة العلمانية في سوريا، حيث تبدي جهات الدعم الإقليمي والغربي المؤيدة للتغيير هناك ترددها العميق حيال الدخول في تحالفات مع الجيش السوري الحر، وفرعه السياسي المتمثل بالائتلاف الوطني السوري.
ويعود تردد تلك الأطراف، بجانب منه، إلى عدم فعالية قتال الجيش السوري الحر على أرض المعركة، كما إلى الخوف من خسارة الجنود المدربين والأسلحة القيّمة، ووقوعها في يد الجماعات المتشددة من أمثال «داعش». لكن، يبدو اليوم أن أي نوع من الدعم المتململ للمعارضة السورية العلمانية ستتم التضحية به لصالح أولوية القضاء على «داعش»، في واقع يشكل أخــــباراً جيدة للرئيس السوري بشار الأسد.
إلا أن استمرار الحرب الأهلية في سوريا للعام الرابع على التوالي يعكس بوضوح مواصلة الثوار للقتال في مدينة حلب، على وجه الخصوص. ويجادل كبار قادة الثوار أنهم لو تلقوا الدعم عينه من الغرب والحلفاء العرب، على غرار الدعم الذي حصل عليه جيش الأسد من روسيا وقوى إقليمية أخرى، لكانوا في موقع أقوى اليوم، في حين ستكون الحكومة السورية والمتشددون أضعف شوكةً.
وحمل كلام وزير خارجية أميركا جون كيري، أخيراً، المزيد من التأكيد على تناقض المواقف الأميركية، حيث قال إن الولايات المتحدة على استعداد لإجراء محادثات مع الأسد، في الوقت الذي يغدق الجيش الأميركي الدعم على الثوار. وتخلى كيري بكلامه ذاك عن موقفه السابق، القائل بأن الأسد قد فقد كل شرعية له، وينبغي رحيله، للتأكيد على أن الولايات المتحدة قد تدخل في مفاوضات معه من أجل ضمان تحول سياسي في سوريا، وستبحث في طرق من شأنها الضغط عليه للقبول بإجراء محادثات.
من المحتمل أن تكون أميركا راغبة بدعم الثوار، وتدعيم موقفهم إلى حد يتيح لهم بدء المفاوضات مع الحكومة السورية من موقع الندّ. إلا أن هذا لم يأت كيري، أو أوباما على ذكره. ولو تحدثا عن الأفكار المطروحة في جنيف لناحية الإدارة الانتقالية الشاملة، لتبددت المخاوف من استعداد أميركا لعقد صفقة مع الأسد والتخلي عن الثوار، مع حصر أولوياتهم العسكرية في المنطقة بقتال «داعش».
من تحت الطاولة
على الرغم من رفض إدارة أوباما السعي للحصول على تفويض مجلس النواب الأميركي لقتال نظام الأسد، تشير بعض الحقائق الميدانية المتواضعة إلى حصول تدريبات للثوار، وقد أعلنت البنتاغون في يناير الماضي أنها ستقوم على مدى ثلاث سنوات بتدريب 15 ألف مقاتل من الثوار السوريين المعتدلين، غير أن هذا العدد لا يعتبر كافياً لمنحهم اليد العليا في ساحة الـــقتال، أو على طاولة المفاوضات مستقبلاً.
لقد بدا تبدل التفكير الأميركي واضحاً، فبعد أن أعلن أوباما في مايو 2014 في خطاب السياسة الخارجية الأساسي عن رغبته في مساعدة الثوار لمواجهة قوات الأسد، إلا أن الضربات الجوية الأميركية في سبتمبر من العام نفسه أتت موجهة ضد قوات «داعش» لا الأسد.
لقد حذفت الإدارة الأميركية خيار مواجهة الأسد من مطالبتها المستمرة بقوات عسكرية، محددة أهدافها بقتال «داعش» أو الأشخاص والقوى المرتبطة به، مما يعني الأفراد أو المنظمات التي تقاتل إلى جانب التنظيم، أو أي حلف قريب منه يقف بمواجهة الولايات المتحدة أو شركاء التحالف.
قيود وضوابط
وقد وضعت مسودة مشروع تفويض استخــــدام القوة العسكرية ضابطين يقيدان عمل القوات العسكرية الأميركية؛ فيحظر الأول اللجوء إلى قوات الجيش الأميركي في «عمليات القتال الميدانية الهــــــجومية الدائمة »، ويفرض الثاني مهلة ثلاث سنوات هي مدة التفويض، دون أن يتضمن ذلك أية قيود جغرافية محددة، مما يمنح أميركا حرية التحرك ضد «داعش»، أو حلفائه على امتداد البلاد العربية، وصولاً إلى نيجيريا، إذا ما دعت الحاجة.
تشكل سلسلة الوقائع والمتغيرات تلك مصدر إحباط للثوار، الذين يقاتلون بضراوة في حلب، ويتوقون للحصول على الدعم والتسليح المناسبين. وفي الإطار عينه، لم يوافق أوباما على طلب بجعل حلب منطقة حظر جوي لردع النظام عن قصف شعبه. كما أنه من المثبط كذلك، بالنسبة لملايين اللاجئين السوريين أن يشهدوا امتناع الغرب عن مساعدتهم، وعدم إبدائه رغبةً في إنهاء الحرب الأهلية التي تشكل مصدر عذابهم.
تناقض واضح
في مارس الماضي، أبلغ كيري لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أن تفويض استخدام القوة العسكرية، الذي درسه مجلس النواب الأميركي محددة أهدافه ومحصورة بقتال «داعش»، وأشار إلى أن هناك أشخاصاً يتمنون لو أن التفويض يشمل ضرب قوات الأسد، لكنه لا يفعل.
وأتى ذلك في الوقت الذي قال وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر أمام الصحافيين: « سيكون واجباً علينا دعم القوات التي قمنا بتدريبها في سوريا، وعلى الرغم من أنها تدربت وتجهزت لقتال (داعش)، فقد تنخرط في اشتباكات مع قوات نظام الأسد».
