تشكل اليمن تذكيراً متزايداً بعمق الأهمية الاستراتيجية للشراكة الأميركية السعودية، وأن الحديث عن الحرب ضد "داعش"، يختلف تماماً عن إدراك أن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة تتطلب مستوى أكبر من الاستقرار في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية؛ وهو استقرار يعتمد على المملكة السعودية العربية كشريك استراتيجي أساسي.

وسبق للسعودية أن اضطلعت بدور قيادي في اليمن بالتنسيق مع أميركا، سيما فيما يتعلق بالضربات الجوية التي تنفذها المملكة وحلفاؤها هناك لوقف تقدم الحوثيين، المرتبطين على نحو وثيق بإيران، والساعين للقضاء على جهود الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في إعادة الحكومة المنتخبة إلى موقعها الأصلي.

شكلت السعودية ائتلافاً يضم ما يزيد على عشر دول لحماية حكومة هادي، وكان دورها قيادياً في حض دولٍ عربية أخرى على التوقيع على بيان مشترك يدعم إعلان السعودية المتعلق بالعمل العسكري، والتحرك النشط لاستعادة استقرار اليمن.

وقد أعلنت الولايات المتحدة، في وقت سابق، أنها قد توفر دعماً لوجستياً واستخبارياً، إلا أن الوضع في اليمن قد يتطلب دعماً قتالياً ميدانياً، وممارسة ضغوط دبلوماسية على إيران. وتكتشف أميركا مجدداً أن المطالبة بالشراكة الاستراتيجية لا تشكل سبيلاً لتفادي القيام بدورها كقوة عالمية.

الشريك الاستراتيجي

الأزمة في اليمن، ضمن الإطار الاستراتيجي الأوسع نطاقاً، ليست سوى جزء من المعادلة الاستراتيجية السعودية الأميركية، حيث تعتبر الشراكة والتعاون بينهما أمرا محوريا في بناء نوع من الردع والاستقرار الاستراتيجي لاحتواء بعض القوى الإقليمية.

ولن تؤثر أي اتفاقية نووية على الحاجة للتعاون الوثيق بين كل من الولايات المتحدة والمملكة السعودية وبعض الأعضاء البارزين الآخرين في مجلس التعاون الخليجي في التعامل مع التهديد الناشط والمتسع لبعض القوى.

وتلعب الصادرات النفطية دوراً محورياً في تزويد الطاقة لاقتصادات عالمية مركزية، مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، كما في تحديد السعر العالمي للنفط والغاز ومنتجات البترول. ويذهب 15.2 مليون برميل من أصل 17 مليوناً من النفط المتدفق خارج مضيق هرمز لدعم اقتصاد صادرات أساسية متوجهة إلى الولايات المتحدة.

لقد قلصت أميركا بشدة اعتمادها على واردات النفط المباشرة، إلا أن البيان المستقبلي السنوي للطاقة أشار إلى أن أميركا ستظل تعتمد على واردات النفط السائل الأساسي لقطاع النقل لديها حتى العام 2040.

أهمية اليمن

لا تضاهي الأهمية الاستراتيجية لليمن تلك التي تتمتع بها دول مجلس التعاون، إلا أنها لا تزال ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لاستقرار السعودية وشبه الجزيرة العربية، إذ إنه بالتزامن مع الاهتمام بمسألة الحوثيين، والحرب الأهلية في اليمن، فإنها قد أصبحت مقراً لتنظيم القاعدة بعد أن طردته السعودية من أراضيها، فيما يساهم بروز تنظيم "داعش" هناك في زيادة الأمور سوءاً.

ويشكل الوضع المضطرب في اليمن، وفق كتاب الحقائق العالمي لوكالة الاستخبارات المركزية في أميركا، تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة، حيث إنه يشهد انقساماً طائفياً حاداً، وفقراً مدقعاً، وانتشار تجارة مخدر القات، كما يواجه تراجعاً حاداً في صادرات البترول المحدودة أصلاً.

وقد لامست تلك الوقائع الاقتصادية المتدهورة حد الأزمة المطبقة، نظراً للصراعات والانقسامات الطائفية المتزايدة حالياً، وشكلت أرضاً خصبةً للتشدد السياسي، والإرهاب، والصراعات الطائفية، وولدت نزعةً شديدة للأهالي لمغادرة اليمن والعثور على وظائف في السعودية المجاورة.

وفي غضون ذلك، تشكل الروابط المترسخة بين الحوثيين الشيعة في اليمن والقوى الإقليمية الأخرى تهديداً آخر للسعودية وأميركا. حيث يمكن لأي وجود جوي أو بحري معاد في اليمن أن يهدد الممرات التجارية المفضية لقناة السويس أيضاً، كما للتدفق اليومي لمنتجات النفط.

لا يزال هناك أمل بالتوصل لحل دبلوماسي، لا تضطر السعودية معه لتصعيد أعمالها العسكرية في اليمن. يمكن لتأمين حدود المملكة، وممارسة الضغط العسكري على الحوثيين أن يكونا كافيين، لكن على الأميركيين أن يكونوا مستعدين لتقبل أنه لا يمكن لبلادهم مطالبة الشركاء الاستراتيجيين بواجباتهم، إلا إذا كانت أميركا نفسها مستعدة للعب دور الشريك الحقيقي.

كما يحتاجون لأن يستوعبوا مدى التهديد الذي تشكله اليمن، وعمق القوى الكامنة التي تفرق اليمنيين إلى فصائل متناحرة، وأن مشكلة الإرهاب والتطرف تفوق مشكلة "داعش"، وأن طموحات إيران في توسيع دورها الاستراتيجي في المنطقة توازي تهديد مطامحها النووية.