أظهرت التقارير الأخيرة الصادرة من ليبيا، في خطوة توقف المراقبون عندها كثيراً، الوضع المأساوي الواضح الذي تعيشه البلاد اليوم، والمعاناة التي تستوطن أرجاءها قاطبةً. فليبيا التي كانت يوماً إحدى أغنى دول إفريقيا، تشهد إغلاق منشآتها النفطية الحيوية، واحتراق بعضها، في خضم الصراع المتصاعد بين الميليشيات التابعة للقبائل. والأسوأ من ذلك أن المتشددين باتوا اليوم أقوى حضوراً على المشهد الحياتي لليبيا.

تعتبر المحنة الليبية، بعيداً عن أية اعتبارات أخرى، سيئة بحد ذاتها، حيث تزهق أرواح الأبرياء، وتقيدّ الحريات السياسية، في بقعة من المنطقة تشهد ممارسات وتأثيرات حثيثة ومقلقة للمتشددين المجرمين، بمن فيهم «داعش». وتوضح التقارير المنشورة حول اتحاد جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا، مع تنظيم «داعش» مدى سهولة تفشي هذه الإيديولوجية البغيضة في الدول غير المستقرة.

لا تقتصر حملة هذه التنظيمات على قتل وتشويه كل من تسوّل له نفسه مقاومتها، بل تتعداها للتطاول على كل ما تعتبر أنه يندرج في إطار الثقافات المختلفة. وليس اعتداء عناصر «داعش» على المواقع الأثرية لمدينة نمرود الآشورية في العراق سوى دليل ساطع على ذلك. ولا يسعنا إلا أن نتساءل: إلى متى ستبقى الكنوز الرومانية في ليبيا، مثل مدينتي لبدة الكبرى وصبراتة بمأمن من الإرهاب، في ظل الأوضاع المضطربة التي تعيشها البلاد؟

ويتعين على بريطانيا أن تتقبل واقع أن ما تعيشه ليبيا اليوم يعود في جانب كبير منه إلى التدخل الأنجلو فرنسي الذي ساهم في الإطاحة بنظام الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي عام 2011.

ويعود الفضل الأكبر في دحر النظام، وفق البعض، إلى رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون الذي يتعين عليه، كما تلذذ بطعم النصر المحقق، أن يتحمل جزءاً من مسؤولية الاضطرابات التي عصفت بالبلاد منذ تحقيق تلك الخطوة.

تشكل ليبيا اليوم عامل تقريع وتذكير للقادة السياسيين الذين يعتزمون شن أي تدخل عسكري في المستقبل. أما الدرس الذي تقدمه فلا يقول إن التدخل بحد ذاته أمر خاطئ، إلا أنه إذا ما حصل فينبغي أن يتم على النحو المناسب، ويكون مرفقاً بالتخطيط والالتزام، ليس للعمليات العسكرية وحسب، بل كذلك للآثار المترتبة عليها.