في مثل هذه الأيام، يبدأ الكونغرس النظر في الموازنة العامة التي تطرحها الإدارة للسنة المالية، التي تبدأ في أول أكتوبر المقبل. هذا الأسبوع، كانت حصة البنتاغون منها قيد البحث في مجلس النواب، الذي تسيطر عليه أغلبية جمهورية، متشددة حتى أكثر من الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ. في موقفها من الموازنة العامة، تنطلق هذه الأغلبية من مبدأ الخفض في الإنفاق العام، بما فيه الإنفاق العسكري.

لكنها هذه السنة تستثني مخصصات الحروب في الخارج، وتقترح زيادتها بمبلغ 39 مليار دولار عن تلك التي حددتها إدارة أوباما. هذه الأخيرة أفرزت 51 ملياراً من موازنة الدفاع البالغة 534 ملياراً، لباب «العمليات الطارئة في ما وراء البحار». الجمهوريون أصروا على رفع المبلغ هذا إلى 89 مليار من أصل هذه الموازنة.

في الحالتين، تبقى نفقات الدفاع هي ذاتها – 534 مليار – والتي تساوي حسب التقديرات 3,1 % من الناتج المحلي العام، وبما يوازي حوالي 40 % من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي. وهي بذلك تزيد بما يقرب من 100 مليار عن موازنة البنتاغون أيام الحرب الباردة، بعد أخذ معدلات التضخم بعين الاعتبار. لكنها تقل بحوالي 200 مليار دولار عما كانت عليه أيام الرئيس بوش الابن.

رقم فلكي

مع ذلك، يبقى الرقم فلكياً، فهو يزيد على نصف تريليون دولار، على الرغم من أن حجم القوات في طريقه للخفض إلى حدود 420 ألف جندي. 75 ألفاً أقل مما كان عليه في التسعينيات. الأسطول البحري هبط من 350 قطعة بحرية إلى 285. وقد يصل إلى 260.

الفارق في الشق المتعلق بالخارج، يعكس الخلاف في المقاربة بين الإدارة والمحافظين لخيار القوة. هي تتحدث عن عمليات خارجية. هم يتحدثون عن حروب خارجية. بذلك يتركون الباب موارباً لتوسيع العمليات العسكرية.

فالمعروف تاريخياً، أنه عندما تنخرط القوات الأميركية في مهمات عسكرية في الخارج، تصبح موازنة هذا الشق مفتوحة للتمويل الطارئ، ومن غير سقف. في مثل هذه الحال، لن يقف أحد في الكونغرس ضد رصد النفقات الإضافية اللازمة، طالما بقيت القوات في الميدان.

المحافظون لا يدعون إلى حروب الاجتياح. بعد تجربة العراق، ما عاد بالإمكان تسويق مثل هذا الخيار صراحة. هم يدعون إلى حروب مكثفة. يشدد رموزهم في الكونغرس على رفع عدد القوات الخاصة والخبراء في العراق إلى 10 آلاف في الوقت الحاضر، ومن دون إقفال الباب على المزيد لو اقتضى الأمر، فضلاً عن تكثيف الحملة الجوية، وبحيث تشمل سوريا أيضاً.

وهنا يكمن الخلاف بين الإدارة والجمهوريين، والذي يعكسه الفارق بين الطرحين بشأن مخصصات عمليات الخارج في موازنة البنتاغون. وهذا بدوره يعكس خلافاً آخر بينهما، يتعلق بدور الميلشيات التي تدعمها إيران في العراق، والذي تضعه الإدارة في خانة «الإيجابي»، ولو المشروط.

الإدارة ترى، على ما يبدو، أنه يعفيها من زيادة القوات الأميركية، وبالتالي، كلفتها، فيما يحذر الجمهوريون من هذا الخيار وتبعاته، ويدعون إلى مثل هذه الزيادة التي تستدعي زيادة حصة هذا الباب من الموازنة. والمرجح، حسب تقديرات الخبراء، أن تميل التسوية لصالح الطرح الجمهوري.

ذخيرة إضافية

الأحداث الجارية والمفتوحة على المزيد من التدهور في أوكرانيا والشرق الأوسط، أعطت الجمهوريين ذخيرة إضافية لرفع وتيرة خطاب خيار التشدّد والقوة. في الفترة الأخيرة، قفزت نسبة المؤيدين في أوساط الرأي العام الأميركي لهذا الخيار في العراق إلى 67 %، ولأول مرة منذ حرب العراق. قفزة لاقت ترجمتها في أرقام الموازنة، ولو أنه من المستبعد أن يتبناها الرئيس أوباما ويحولها إلى واقع على الأرض.

امتناعه عن سلوك هذا السبيل، أوجد لدى أوساط أميركية كثيرة نوعاً من الشعور بالانكفاء، وإن كانت هذه الأوساط تتهيّب البديل. الأوضاع الراهنة غير المسبوقة في الساحة الدولية ومخاطرها المجهولة، وضعت واشنطن في مأزق، يتمثل في أنها تمتلك القوة الفائضة من جهة، وتدرك من جهة ثانية محدودية هذه القوة. القدرة قيودها في آن.

ولهذا، بقي السجال، وما زال، في دائرة الارتباك. لا الرئيس العازف عن التوسع في الخيار العسكري، قادر على الانسحاب التام، كما أثبتت تجربة العودة إلى العراق، ولا هو أو الكونغرس قادر على نسخ حروب الماضي. والمحاولات بين الاثنين ما زالت في أحسن أحوالها قيد التجربة، وقابلة للتكيّف وفق الظروف ومتغيراتها. والشق الحربي في الموازنة مرآة لهذا الارتباك.