لا تعد نتائج المعركة الانتخابية في إسرائيل التي حسمت، أخيراً، بحدّ ذاتها، أسوأ ما حصل في الواقع، فقد احتضنت الأرقام التفصيلية للانتخابات فتاتاً غريباً، وما جعل فوز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محبطاً بسبب الأغوار التي تردى إليها لانتزاع الفوز.
أقدم نتنياهو، في إطار جهوده اليائسة والناجعة، على خطوتين، سعياً لاستعادة اليمينيين الإسرائيليين، الضالين عن حزب الليكود نحو أحزاب وطنية أقل شأناً. فأكد لهم التخلي عن التملق، الذي مارسه في السنوات القليلة الماضية، واللياقات الدبلوماسية التي تبناها منذ العودة إلى منصبه كرئيس وزراء عام 2009، وشدد على أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية على جدول أعماله.
أما في يوم الانتخابات، فقد انزلق نتنياهو إلى هوة أعمق، حيث ظهر في مقطع فيديو مصور، يقف أمام خريطة الشرق الأوسط في غرفة عمليات حربية، وحذر قائلاً إن «الناخبين العرب يتوجهون بأعداد كبيرة نحو مقار الاقتراع»، فكانت تلك الكلمات بمثابة «أمر اليوم» لمؤيدي حزب الليكود للتوجه للإدلاء بأصواتهم.
وقفة تحليل
يجدر التوقف أمام هذه الخطوة لاستيعاب معانيها بالكامل. فالعدو الذي كان نتنياهو يستحث شعبه ضده، لم يكن تنظيم «داعش»، ولا الجيوش الأجنبية، أو حتى فلسطينيي غزة والضفة الغربية، بل كان يقصد بكلامه العشرين في المئة من مجموع الناخبين الإسرائيليين من الفلسطينيين، أي العرب الذين ولدوا وعاشوا في إسرائيل، ويعتبرون من مواطنيها. وكان نتنياهو يصف المشاركة الديمقراطية لخمس البلد الذي يحكمه، بلغة العدوان العسكري، الذي يجب الردّ عليه.
تخيلوا لو حذر الرئيس الأميركي، مثلاً، الناخبين البيض من أن الناخبين السود يتوجهون لمقار الاقتراع بأعداد كبيرة، أو لو مرر أحد رؤساء وزراء الدول الأوروبية رسالة مفادها أن «أسرعوا! الناخبون اليهود يدلون بأصواتهم!» تلك هي الهوة الأخلاقية التي سقط فيها نتنياهو، لمجرد أن يضمن فوزه.
وقد نجح في ذلك، ليس لأنه حصد تأييد معسكر اليمين وحسب، بل لأنه استدعى الصقور الخائبين مجدداً إلى الديار. وفي ذلك تعزية بسيطة، إذ إن الأرقام تشير إلى أن كفة اليمين الإسرائيلي لم ترجح يوم الانتخابات، وبالكاد حافظت كتلة اليمين الوطنية والدينية على ثباتها، وكسبت مقعداً واحداً فقط. وقام فوز نتنياهو الانتخابي على إعادة تقسيم تلك القطعة ليحصل لنفسه على الحصة الأكبر منها.
فوات الأوان
ولإدراكه الثمن الذي سيكلفه فوزه في الانتخابات، لم يضع نتنياهو أي فرصةٍ لمحاولة سحب كلامه، فتعهد في بيان الفوز بأن يكون رئيس وزراء كل الإسرائيليين، اليهود وغير اليهود. وشدد على رغبته في التوصل إلى «حلّ الدولتين الدائم والسلمي»، شريطة أن تتبدل «الظروف». إلا أن الأوان قد فات على كلام من هذا النوع، لا سيما أن الغالبية السائدة في أوروبا تدرك أن «مصداقية نتنياهو قد أعدمت، وأن لا أحد سيرغب بالعمل معه».
كيف ينبغي إذن، أن تكون ردود فعل إسرائيليي الخارج؟ سيتمسك البعض بدحض حل الدولتين، ويسعى إلى الخيار المفضل بالنسبة له، والمتمثل بحل الدولة الواحدة. إلا أن هناك بعض الأصوات المعارضة بشدة لمثل هذا الحل، حيث قال الكاتب الفلسطيني من عرب 1948 سيد قشوع، إن أي مسار محتمل نحو هذا المصير، سيتم «على جثث الفلسطينيين».
وتلخص الاعتراض الأقوى على حل الدول الواحدة، في قول الروائي والناشط السياسي الإسرائيلي أموس أوز: «يستحيل بعد مئة عام من الدماء والدموع والكوارث، أن يتوقع أحد تحابب الإسرائيليين والفلسطينيين فجأةً».
إلا أنه لا يمكن العودة إلى حديث الدولتين، في ظل اعترافات نتنياهو حول نواياه، ويبقى الجواب الأصح حتماً في ملاقاة صدق نتنياهو بمصداقية الطرف الآخر. وقد قدمت أميركا، المحامي الدبلوماسي المعهود لإسرائيل، أداءً أفضل من أوروبا، المرحبة بالصيغ المتكررة بفوز نتنياهو، فأعربت واشنطن عن استيائها من «الخطاب التقسيمي» لنتنياهو، وأبدت استعدادها لمضايقته، وقد دعا البيت الأبيض أخيراً، إلى ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية، الذي دام خمسين عاماً، وأن تكون الحدود بين إسرائيل و«فلسطين المستقلة» على أساس خطوط عام 1967.
إذا كان ذلك هو المسار الذي ستتخذه إسرائيل، فعليها أن تتحمل العواقب، إذ إن إقصاءها حل الدولتين، في ظل رفض حل الدولة الواحدة والصوت الواحد، يعني أنها تحافظ على وضعها الراهن، وتحرم الفلسطينيين حقوقهم الديمقراطية الأساسية، في موقف لا يمكن للعالم تقبله.
أزمة نتنياهو
تمكن نتنياهو من سحب أصوات اليمين المتطرف برسالته العدوانية المتزمتة، إلا أن ذلك لن يشفع له.
ويؤكد البعض أن التحريض ليس بالأمر الجديد على زعيم حزب الليكود، حيث الحمقى وحدهم يظنون أنه بعد تسع سنوات من الحكم، كان نتنياهو جاداً يوماً بشأن تحقيق المساواة، أو السعي نحو حلّ الدولتين.
إلا أن كلامه الصريح، أخيراً، شاهد عليه، وهو يؤكد صدق ما كان يقوله عنه أشرس الناقدين. ونشرت نتائج الانتخابات أجواءً من الإحباط، سواء في تل أبيب حصراً، حيث تفوق إسحق هرتسوغ انتخابياً على منافسه نتنياهو، أو في العواصم الغربية التي ستسجل دحض نتنياهو الرسمي للحلّ المحبذ دولياً لفض الصراع العربي الإسرائيلي، وفي مناطق الشتات اليهودي التي عولت طويلاً على الأمل على الأقل بإنهاء احتلال ما بعد سنة 1967، على الرغم من عدم النجاح في تحقيق ذلك إلى اليوم.
