في غضون دقائق من إطلاق الرصاصة الأخيرة، خلال حادثة متحف باردو الوطني في تونس، شوهدت امرأة وحيدة تلوح بالعلم التونسي، وسط حشدٍ من عناصر الأمن والصحافيين. وانضم خلال الساعة التالية إليها آخرون، ولم تلبث أن انتشرت الأعلام بلونيها الأحمر والأبيض مع احتشاد الجماهير خارج المتحف، وهم يهتفون ويطلقون الصفارات أثناء مغادرة فوج مكافحة الإرهاب المكان، ورفع أحد الضباط قبضته منتصراً من أعلى سيارة مصفحة.

واجه التونسيون، منذ الإطاحة بنظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي في 2011، تهديدات متزايدة بالإرهاب، تتصاعد من المدن والريف في جنوبي البلاد. ويتذكر بعض التونسيين اليوم أيام السلام بغصة وحنين، فيما يراقب المقيمون في الداخل ممن يعانون الإهمال والحرمان من الحقوق، كيف تواجه المدينة مشكلة لطالما تعايشوا معها لسنوات.

تخيم أجواء من الصدمة على الشارع التونسي، حيث يوقف عناصر أمن مسلحون السيارات في شوارع المدينة الرئيسية، أو يستوقفون المارة لتفتيش حقائبهم. لا تقوم الدولة بمكافحة التشدد فعلاً، بل تحرص على أن تبدو كذلك. لقد تم الترحيب على نطاق واسع، بوجود عناصر الأمن، إلا أن كثيرين اليوم يتساءلون عن مدى قدرة هذه العناصر على الدفاع عنهم في وجه وتيرة الإرهاب المتنامية.

حفلت وسائل التواصل الاجتماعي، منذ حادثة متحف باردو، برسائل الدعم وحسن النوايا الواردة من جميع أصقاع العالم، وقد جذبت عريضة حماية الحقوق المدنية ما يزيد على 19 ألف توقيع. إلا أنه داخل المجتمع التونسي، تسود حالة من الاضطراب قد تحدد مدى استمرار وجود تلك الحريات المدنية المنشودة. ويشكك البعض في قدرة الديمقراطية، حديثة العهد، على مواجهة التهديدات الأخيرة.

اتسم خطاب الرئيس التونسي محمد الباجي سيد السبسي عقب الهجمات بالشدة، حيث دعا إلى الوحدة في وجه الإرهاب، بينما يقف الجيش على خطوط المواجهة. وقالت الصحافية منيا غانم في شأن الحنين لأيام الأمن: «يفتقد الناس الأمان الذي ينبع من أي شخص قادر على تأمين الديمقراطية والاستقرار، والديمقراطية لا تنمو وتزدهر بغياب الأمن. لا أعتقد أن التونسيين يتمنون فعلاً عودة النظام السابق، إلا أنهم يريدون شخصاً يستطيع أن يوفر لهم الأمن والنظام».

ويخطئ عدد من التونسيين في تذكر مدى الاستقرار الذي كان ينعم به بلدهم قبل ثورة 2011، والذي حفل منذ العام 1987 باضطرابات وقلاقل، تجلت أخيراً وليس آخراً عام 2011، مع إطلاق المساجين المتهمين بإثارة حوادث عنف دينية في تونس.

أطلقت الاعتداءات الأخيرة على متحف باردو الوطني جدالاً حول أولوية الأمن أو الحرية في تونس الخضراء. وقال سامي بلهولا، أحد أساتذة اللغة الإنجليزية في منظمة أميركية غير حكومية: «لا أعرف مدى إدراك التونسيين لتلك المخاطر، ومعرفتهم بأنهم يخسرون بعضاً من خصوصياتهم وحقوقهم الإنسانية. لا أظنهم أكثر قلقاً على سلامتهم من خسارتهم حقوقهم. لقد تحدثت إلى البعض، واستنتجت أنهم يعرفون ما حصل بالأمس القريب، ويدركون مدى بشاعته، لكنهم قلقون من الآتي».

وقال أيمن عبدالرحمن، الأمين العام لمنظمة «الشباب يستطيعون» من بلدة سيدي بوزيد في جنوب تونس، مهد أحداث 2011: «لم أقدّر يوماً طريقة تعامل الناس في تونس مع الإرهاب في الجنوب، حيث ترعرعت، وقد رأيت العديد منهم يسقط على خطوط المواجهة. كنت أشعر بأننا لا ننتمي للبلد ذاته. لا يمكن للثورة أن توحدنا، والانتخابات قد عمقت حدة الانقسامات، وأظن أن الإرهاب لن يساعدنا كثيراً على الوصول للحرية».

العفو المدان

قال عصام دردوري، رئيس «المنظمة التونسية للأمن والمواطنة» غير الحكومية: «كان العفو الرئاسي للعام 2011 نقطة تحول للإرهاب في تونس، وجزءاً أساسياً من إعادة إحيائه. المدانون بتهم الإرهاب تم تحريرهم وإدخالهم في المجتمع، حيث اتصلوا بآخرين وساهموا في ولادة المزيد من المجموعات الإرهابية».