توقف المراقبون السياسيون طويلاً أمام حقيقة بالغة الخطورة، وهي أن أبرز ما جاء في خطاب رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أمام الجلسة المشتركة لمجلس الكونغرس الأميركي، يتلخص فيما لم يقله، أو تحديداً، في عدم ذكر الفلسطينيين، ولو بكلمةٍ واحدة.
أصبح الاجتياح الفظيع هو الرد اليهودي الإسرائيلي المعتمد ضد كيان الشعب الفلسطيني، وحركته الوطنية. وقد تمّ شطب الفلسطينيين من المعادلة في العديد من أوجه الخطاب اليهودي الإسرائيلي الرسمي وغير الرسمي.
ويسجل هذا المنحى الجديد تغييراً مفاجئاً، بعد أن كان الإسرائيليون يتحدثون في الماضي جهاراً، وبقلق شديد عما يسمونه «المشكلة الفلسطينية»، التي كانت في عدد من الجوانب أقل إشكالية مما هي اليوم. حتى حين كانت خطبهم تتسم بالغضب، أقر الإسرائيليون عموماً في الثمانينات والتسعينات وأعوام الألفية الثالثة، بأن الفلسطينيين والاحتلال يشكلان جوهر قضايا الأمن الوطني الحيوية، والوجودية.
وكان الشعب الفلسطيني في تلك العقود أقل عدداً، وأضعف تنظيماً، وأقل تسليحاً. كما كان أكثر اعتدالاً، ووحدةً على الصعيد السياسي مما هو اليوم. أما المنطقة فكانت أكثر استقراراً، وأفضل ارتباطاً بالنظام العالمي.
ومع ذلك، فإن الاتجاه الإسرائيلي السائد يرفض الاعتراف بالقضية الفلسطينية، ويسقط من حساباته كل العوامل المتغيرة والمتدهورة.
إلا أن هذا التعامي المقصود، الذي يقارب حدّ المرض، لا يقتصر فقط على القادة السياسيين أو العسكريين في إسرائيل. ففي يناير 2013، أجرت إسرائيل الانتخابات النيابية الأخيرة فيها، التي شهدت عودة ظهور أحزاب الوسط واليمين السياسيين، وأغفلت تماماً إجراء أي جدال أو نقاش حول الفلسطينيين والاحتلال.
وركزت العملية الانتخابية، عوضاً عن ذلك، على الخدمة العسكرية لليهود المتدينين، والمؤشرات الاقتصادية، ومعدل الجريمة، وأسعار المساكن، وسواها.
مضت إسرائيل في إجراء الانتخابات وكأن الاحتلال غير موجود، وذلك لسببين: يتمثل الأول بغياب أية أفكار جديدة لحل القضية، في حين يجسد الثاني، على نحو مقلق أكثر، قدرة إسرائيل على القيام بذلك.
لقد وصلت الهيمنة الإسرائيلية على الفلسطينيين مرحلة يستطيع معها الإسرائيليون، حين يشاؤون ذلك، تجاهل واقع الشعب الفلسطيني بالكامل، والمضي قدماً. ويشكل غياب الإجماع بين اليهود الإسرائيليين، وافتقار الأحزاب الإسرائيلية مجتمعةً لأية أفكار جديدة حول ما يجب فعله إزاء الفلسطينيين أو الاحتلال، عاملين مسوغين لاستسهال تجاهل المسألة برمتها.
وهذا هو السبب الذي يحدو بنتنياهو، وسواه من القادة في إسرائيل اليوم، إلى عدم ذكر الفلسطينيين وقضيتهم، إلا أن أي إسرائيلي يهودي يفكر في هذا الواقع جدياً، ويوظف القليل من المخيلة، حتى لا نقول حس التعاطف، سيدرك مدى خطورة الموقف الذي يتخذه قادته.
كيف يتوقع الإسرائيليون أن يكون ردّ فعل الفلسطينيين، على المدى الطويل، إزاء العيش تحت الاحتلال والحصار، في الوقت الذي تعتبر سلطات الاحتلال الإسرائيلية الأمر غير جدير بالذكر؟ ألن تكون تلك هي الصيغة المؤكدة لانفجار هؤلاء إحباطاً وغيظاً؟
من الواضح أن المجتمع الإسرائيلي بات ينظر للفلسطينيين على أنهم يحتلون هامش مخاوفهم، لكن إذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن الأسئلة الفعلية المطروحة ستدور حول توقيت وكيفية اتخاذ الفلسطينيين قرار إعادة تأكيد حضورهم في الوعي الإسرائيلي.
يبدو أن الفلسطينيين أكثر غضباً، وأشد غيظاً من أي وقت مضى، منذ زمن الانتفاضة الثانية، على الأقل. وينبغي على أي إسرائيلي التساؤل لماذا عليه أن يكتفي بالإيضاحات التي يقدمها له قادته، والبحث في العمق بمضاعفات اللامبالاة المسممة لمجتمعه حيال واقع الشعب الفلسطيني.
تسجيل اعتراض
سجل عدد من القادة الفلسطينيين اعتراضهم على «تعامي» إسرائيل عنهم، حيث إن خطب قادة الاحتلال تتحدث بشكل متزايد عن تفكير إسرائيل المفترض بالتحديات الوطنية والاستراتيجية والأمنية، وكأنه لا يوجد 2.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، و200 ألف في القدس الشرقية، و1.6 مليون غيرهم في غزة.

