لا يصعب كثيراً وصف مشاعر المرء إزاء مراقبته سفاحي تنظيم "داعش"، بينما هم يعمدون إلى تحطيم تماثيل في الموصل تحتضن ثلاثة آلاف عام من التاريخ؛ وتثير تلك المشاعر الاشمئزاز والغضب والأسى. إلا أن الأصعب هو توضيح السبب الدقيق وراء قيام هؤلاء بتدمير تلك الآثار على هذا النحو المتوحش.

يمكن للبعض تبرير هذا الفعل الشنيع بأن التماثيل المحطمة كانت "مجرد أشياء"، تصادف وجودها في خضم صراع ذهب ضحيته عدد لا يحصى من بني البشر. لكن هل يعتبر مدمرو آثار الموصل مجرد برابرة فعليين فريدين من نوعهم؟ يعمد تنظيم "داعش" إلى تحطيم تماثيل حقبة ما قبل الإسلام، بحجة أنها وثنية الطابع، في تبرير بالكاد يكون جديداً على مبدأ تخريب الممتلكات المتعمد.

هناك، في الواقع، هالة من الرعب المخيف تحيط بهذه الحرب في ما يتعلق بأثرها على التاريخ؛ خوف ينطلق من الدافع الكامن وراء تلك الممارسات. يمكن لـ "داعش" الادعاء أن التماثيل التي تم تحطيمها مزيفة، إلا أن في ذلك تدجيلاً، فما من أحد قد عبدها منذ ألوف السنين.

في الحقيقة، وعلى غرار ما حصل عند إقدام جماعة "طالبان" على تحطيم تمثالي بوذا في ولاية باميان الأفغانية، انطوى توضيح "داعش" لسبب التخريب على بيان أقل تديناً، وأكثر إعراباً عن إعلان حرب على العالم الخارجي.

قد يبلغ مستوى الوصول إلى الاندثار التاريخي في هذه البقعة من العالم إلى القضاء على مهد الحضارة؛ وأسس العالم القديم، ومن خلاله الأثر الجديد للهلال الخصيب. لكن لحسن الحظ أن مثل هذا المحو لتاريخ الإنسانية يتخطى "داعش"، وذلك بفضل السجلات العلمية، وإعادة إنتاج النسخ، وعمليات النقل الحذرة للآثار إلى أماكن أكثر أمناً.

ولا ينعكس عمق أذى تلك الممارسات على الغربيين، بل على أبناء الشرق الأوسط التواقين لأن يستحقوا عن جدارة شرف الوصاية على إرثهم المميز، والتعويل على أن يساهم اجتذاب السياح لزيارتها أملاً بمستقبل أكثر إشراقاً، في زمن أكثر سلماً.

يحتاج العالم بأسره لأن يقف وقفة تضامن مع هؤلاء. وفي الوقت الذي يعتبر التخريب المتعمد للممتلكات جريمة أقل شأناً من القتل، إلا أنها بمستوى الترويع عينه للعالم، حسب ما يبدو.