شنت القوات المسلحة العراقية، أخيراً، هجوماً على تكريت، موطن الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كجزء من عملية أوسع نطاقاً تستهدف قلب المناطق السنية الواقعة شمال البلاد، وتبغي إعادة بسط السيطرة على المدن والمناطق، التي اغتصبها تنظيم «داعش» في يونيو من العام الماضي.
وتنطلق هذه الحملة العسكرية في زمن يشهد تحول دفة الزخم الموجه ضد تنظيم «داعش»، سيما بعد الهزيمة التي لحقت به في أواخر يناير الماضي، في بلدة عين العرب الواقعة قرب الحدود السورية التركية. وكرت سبحة تكبد الخسائر، ووقوع الضحايا في صفوف عناصره المقاتلة في العراق.
عجز «داعش» عن توسيع رقعة سيطرته في العراق، في ظل ازدياد أعداد الخصوم، وارتفاع وتيرة امتعاض السكان المحليين من طريقة ممارسته للحكم. ومن المعروف أن التنظيم يقتات على الاستقطاب الطائفي، إلا أن الحكومة العراقية الجديدة قد حصدت الثناء على مساعدتها في جلب الاستقرار..
بدلاً من مفاقمة حدة الطائفية في العراق. وينبغي التعويل على هذا الواقع، وعدم السماح للتنظيم بإصلاح، أو إعادة بناء نفسه من جديد. ويتعين على العراق المضي قدما حتى النهاية في محاولة استعادة البلاد من قبضة المقاتلين، والحرص على عدم إعادة تكتلهم، أو تثبيت ركائز حكمهم.
تشكل سيطرة «داعش» على مناطق العراق الشمالية شرطاً أساسياً لبقائه، ليس لأنه يحتاجها كقاعدةٍ لإطلاق هجماته، وتعبئة السكان المحليين وحشدهم، وتعزيز سيطرته، بل لأن الاستيلاء على منطقة تمتد بين العراق وسوريا، مدعاة تباهٍ له، سيما أنه سارع للإعلان عن إقامة دولته، فور إحكام قبضته على الموصل العام الماضي. بتعبير آخر، أصبحت سيطرة «داعش» على الأراضي العراقية رمزاً لقوة شوكته، وأساساً لاستدامته. ويهدف تدمير عوامل منعته على هذا النحو إلى ترك أبلغ الأثر في القضاء عليه تماماً.
وحصل هذا التعافي عقب نشر المزيد من القوات الأميركية في العراق، كجزء مما صار يعرف بعملية «المدّ»، إضافة إلى بروز «الصحوة السنية»، التي كانت شاهداً على تعاون قبائل السنة والعناصر السنة الأخرى على الساحة السياسية مع الحكومة العراقية والولايات المتحدة، وساعدت في تمهيد الطريق نحو اندماجهم في النسيج العراقي الجديد.
وتكرس الاندماج بشكل حاسم بعد أن تكبد السنة خسائر جسيمة في صراع عام 2006 مع الشيعة، وضد القوات الأميركية. وأجبروا على الانسحاب إثر إدراكهم أن العراق الجديد والعملية السياسية القائمة قد أتت لتبقى. يمكن، على نحو مماثل، احتواء تنظيم «داعش»، وإرغامه على التفكك وبالتالي الاندحار. ويتطلب إضعافه حملة عسكرية مستدامة، تأتي بديلاً عن الجهود العسكرية المفتقرة للحماس المبذولة حتى الآن.
تشكل الحملة العسكرية، إذن، جزءاً من الحل، إلا أنه من الأهمية بمكان التوضيح بأن العراق الجديد ونظامه السياسي راسخان وباقيان. أما الجزء الآخر، فيتطلب أولاً بذل جهود حثيثة ومتواصلة نحو تحقيق المصالحة، وإعادة بناء الجيش العراقي، ودمج المجموعات شبه العسكرية بالجيش. ويتوجب على رئيس وزراء العراق حيدر العبادي الوفاء بوعوده، وإنزال العقاب بالجهات المسؤولة عن ارتكاب المذابح الطائفية في البلاد.
ثانياً، لا بدّ من تمكين سنة العراق، الذين حاربوا التنظيم، ولا يزالون يخوضون المعارك ضده، فهؤلاء السنة موجودون فعلاً على الأرض، إلا أنهم يفتقرون للمصادر والدعم لمجابهة «داعش» ومحاربته. وقد يساهم مدّهم بالدعم والموارد تهديداً للحكومة العراقية في المستقبل، تماماً كما قد يفعل قيام مناطق سنية تتمتع باستقلال ذاتي، إلا أنها مجازفة تستحق عناء خوضها، كرهان قد ينقذ العراق، ويضمن بقاءه.
شاهد تاريخي
يحفل التاريخ العراقي الحديث بأسباب عديدة تدفع للتفاؤل. فحين سيطر «داعش» على الموصل في يونيو 2014، ساد الحديث عن تعذر تفككه، وانقسام العراق. إلا أنه سبق للبلاد أن وصلت لحافة الهاوية، نتيجة الحرب الأهلية، وبروز حركات التمرد، ثم تعافت بعدها.
