حُددت معالم خطوط المعركة في اليمن، البلد الأفقر في العالم العربي، والمرشح الأحدث لدخول بوتقة الدول الفاشلة في الشرق الأوسط. أما إذا اندلعت الحرب المفتوحة قريباً، كما يدل اتجاه الأمور، فإن وطيسها سيشتد بفعل سباق قوتين إقليميتين كبيرتين للسيطرة على اليمن.

وقد أظهرت هاتان القوتان حماسةً لتسليح المجموعات التي يعتقد أنها ستتولى الحكم، على الرغم من الإرث الثقيل الذي جلبته تلك العداوة المدمرة على كل من العراق وسوريا. وإذا تكرر السيناريو عينه في اليمن، فإن ما بدأ على شكل صراع قابل للسيطرة على السلطة بين الفصائل المتناحرة، قد ينحدر إلى حرب أهلية طائفية متفاقمة وحشية تقطع أوصال البلاد.

دعم متجدد

وبدت أولى معالم الصراع المستنفد للطاقة منذ أحكم الحوثيون السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر الماضي بمساعدة قبائل الشمال الأخرى، وبعض القوى الإقليمية، كما يبدو واضحاً. ويخطط الرئيس اليمني المحاصر عبد ربه منصور هادي، الذي هرب من صنعاء، وقدم استقالته لتأليف حكومة جديدة في عدن، في خطوة تتخذ شكل حكومة المنفى داخل البلد الأم.

وقال أحد مساعدي هادي لرويترز: إن بعض دول الخليج، قد أعلنت، تعبيراً عن دعمها للحكومة الجديدة، عن عزمها إرسال سفراء لها إلى عدن، في حين تتحدث التقارير عن استعداد الدول المجاورة لليمن تقديم ضمانات للحكومة الجديدة. خسر هادي ثقة دول الخليج عقب تنازله السهل عن العاصمة اليمنية للحوثيين، إلا أن عزمه الدفاع عن التشكيلة الحكومية الجديدة سيحظى بدعم دول الخليج.

يبدو الحوثيون على معرفة بما يدور، وهم مستعدون للتصدي له. وقد هاجم رئيس المجموعة، عبد الملك الحوثي، في خطاب أخير له، هادي وحلفاءه العرب وأميركا، متهماً إياهم بالتآمر لتحويل اليمن إلى نظام مطواع، على حدّ زعمه.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تلقي فيها واشنطن وشركاؤها من الدول العربية الضوء على الروابط الحوثية مع قوى إقليمية. كما لا يعتبر تدخل تلك القوى في اليمن بالتطور الطارئ، وهي ذات الباع الطويل في دعم مختلف الفصائل اليمنية على حساب أخرى.

وقد وضعت واشنطن مصالحها الأمنية فوق كل اعتبار، فأعطتها الأولوية وقدمتها على نشر الديمقراطية وسيادة القانون. وقد ساعد ذلك إبقاء الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في الحكم على مدى العقد السابق، قبل أن تطيح بنظامه أحداث عام 2011.

سياسة وتعايش

يوظف اليمنيون، الذين يميلون إلى البراغماتية في الأصل أكثر من العقائدية، أجندات الخارج في خدمة مصالحهم الخاصة، وليس العكس. وكان من صالح اليمن، كبلد، أنه أتى في أدنى سلم أولويات القوى الإقليمية، حيث اقتصر الدعم على تذكية الصراعات الداخلية الأضيق نطاقاً، دون أي نوايا لإشعال حرب مستدامة.

لكن اليوم، هناك قوتان أساسيتان محرضتان، مما يعني أن كمّ المصادر الموظف في اليمن سيتضاعف، على غرار وتيرة الخطب والمخاطر. وستتراجع البراغماتية أمام الصراع الوجودي القائم، الذي لن تتمكن القوى الإقليمية من التحكم بخيوطه بأكثر مما فعلت في العراق. وكما عاينا في بلدان أخرى من المنطقة، ما إن تنطلق الدوامة حتى يصعب كثيراً وضع حد لها.

يفخر اليمنيون بحضارتهم العتيقة، القائمة على التعايش رغم الخلافات. وقد قال لي سائق خمسيني من صنعاء مراراً إنه حتى بداية سنوات الألفية الجديدة، قلما كان يفكر في أي مسجد سيؤدي الصلاة، أو إلى من يتحدث في الشارع، فالمسجد كان مسجداً، والإسلام إسلاماً، واليمنيون يمنيين.

أما إذا دخلت البلاد في أتون الحرب قريباً، فلن يبقى هناك مكان لتلك الذكريات سوى القليل. ما لم يفلح في العراق وليبيا وسوريا لن ينجح في اليمن، لكن المؤسف أن هذا الواقع لن يردع الأيدي المشبوهة المعتادة من تكرار المحاولة.

عواقب خطيرة

هناك إمكانية مرعبة اليوم تفترض عدم التعلم من دروس الماضي في كل من العراق، وليبيا وسوريا. ويسر بعض القوى الإقليمية والعالمية التعامل مع اليمن على أنه أرض معركة بالنيابة، بغض النظر عن العواقب.

وإذا اندلعت الحرب على طول الخطوط الطائفية في البلاد، فستعزى حتماً إلى إذكاء ممولي الحرب الأجانب انقسامات كانت تعتبر بنظر اليمنيين تافهةً، وليس لوجود الانقسام تاريخياً. إنها محصلة عداوات قديمة لا مناص منها، إلا أنها نبوءة مأساوية محققة لذاتها.

يسهل كثيراً اعتبار اليمن منقسماً إيديولوجياً أصلاً، لكن من المغري كذلك الوقوع في الفخ المضلل لرؤية مختلف الفصائل تنصاع لرغبات القوى الخارجية، علماً بما يحمل ذلك برمته من تبسيط مبالغ فيه لواقع الأمور، فالصراع في اليمن تقوده مسائل محلية، وسباق على الموارد، أكثر مما تدفعه سجالات إقليمية، أو عقائدية. ولطالما اقتصر التأثير الخارجي تاريخياً، على محاولات لتوظيف التوترات ومفاقمتها.