ارتفعت من شواطئ البحر الأحمر، أخيراً، ضجة رافقت إعادة صياغة مؤسسات مصر، حيث يأمل الكثيرون داخل البلاد وخارجها، أن تكون الأصوات مدوية بما يكفي لإسكات الضجة السلبية لأولئك الذين توهموا أنهم قادرون على التشويش على نتائج المؤتمر، الذي اعتبره العالم فريداً في إنجازه.
جذب مؤتمر التنمية الاقتصادية في مصر ما يزيد على 1700 مستثمر ومسؤول حكومي وخبير استشاري، بمن في ذلك رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، وقد حضروا إلى جنوب سيناء أخيراً، في اجتماع أشبه بالحفل الوطني الذي توج لحظة تخطي البلد العريق، أخيراً، سنوات التوتر المواكبة لغليان الثورة، والانضمام إلى العالم المتقدم من الدول الغربية الحداثية، حيث يسود منطق الأسواق.
الاقتصاد أولاً
تمثل العنصر الأبرز في المؤتمر بانفتاح مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، على مشاريع جديدة، حيث ستمنح قوانين الاستثمار والإفلاس حصانة شاملة للمستثمرين ومسؤولي القطاع العام، وتخفف من القيود على الأصول العامة الممنوحة للقطاع الخاص من دون مقابل، وتمكن الشركات الأجنبية من التخلي عن المشاريع المخصصة من دون التعرض لعقوبات.
كما انتظمت مشاريع البنى التحتية استعداداً لانتقالها إلى حيز الشراكة بين القطاعين الخاص والعام. في حين تم تخفيض ضريبة الدخل الشخصية والخاصة بالمؤسسات، وتقييد قدرة العمال على تنظيم الإضرابات.
تمحور المؤتمر، في الواقع، حول استعراض مصر لرؤية الأعمال مستمرة كالعادة في المستقبل.
مسار التطور
وتؤدي شخصيات مثل بلير دوراً محورياً في الإقرار بالشرعية الدولية للنظام الذي وجه رسالة ذات حدين، الأولى تعتبر مصر على خط المواجهة في «الحرب على الإرهاب»، وأنه يمكن أن تخضع لحكم المتشددين بغياب حكم السيسي القوي، والثانية تصوّر، على نحو موازٍ، مصر على أنها محطة جذب آمنة للسياحة والاستثمار الأجنبي.
أما بالنسبة لبلير فإن عملية الجمع بين الديمقراطية والاستقرار لا تبدو أمراً صعباً، وقد أكد ذلك أمام المؤتمرين في شرم الشيخ بالقول: « إنني أفضّل الديمقراطية حتماً، وأعتقد أنه في النهاية، تمر جميع الدول خلال مسيرة تطورها بمرحلة يتمكن فيها الأهالي من انتخاب الحكومة.
إلا أنني أظن كذلك أنه ينبغي أحياناً اعتماد العقلانية حيال مسار التطور للدول، وأنه ستظهر في بعض الأوقات دول لا ينطبق عليها ما نعتبره الديمقراطية على الطراز الغربي مئة بالمئة، إلا أنه على صعيد آخر، يعتبر اتجاه التطور الذي اختارت اتباعه هو الأهم.»
لا شك أن مسار التطور الذي انتهجته مصر بالغ الأهمية، في ظل السؤال الملح حول القوى المستفيدة من ذلك. وعلى الرغم من جميع التعابير العديدة التي ضج بها المؤتمر الاقتصادي حول الفائدة المشتركة والدمج الاقتصادي، لا تزال الكثير من التحديات تنتظر السيسي.
أمل بالمستقبل
كثر هم المصريون الذين أبدوا حماسةً صادقة حيال الوعود الكبرى التي أطلقها المؤتمر، وبثتها مختلف محطات الإعلام المحلي، بما في ذلك استثمارات بمليارات الدولارات، والتراجع الهائل في معدل البطالة، وإنشاء عاصمة جديدة بالكامل.
في الواقع، تحلى كبار الشخصيات والمستشارون الذين توافدوا إلى مصر، أخيراً، بالثقة التامة بالبلد، وبأن الضجيج الذي أثاره المؤتمر سيطمئن الجميع، إلا أنه خلف جدران مركز المؤتمرات العالمية في شرم الشيخ، شعب اعتاد الإصرار على المضي قدماً في طريق البناء، وهو هذه المرة مصمم على تجاوز كل إنجازاته الماضية لتدارك النكسات التي تعرض لها خلال العقود القليلة الماضية، والتي ساد الإجماع على أن تجاوز آثارها يقتضي جهودا مكثفة، وقد شكل المؤتمر الأرضية الخصبة لهذه الجهود.
إعادة التموضع
كانت كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، من بين المتحدثين في المؤتمر، حيث لفتت الأنظار بالصيغة البليغة لخطابها الذي أحال إلى قصيدة شدت بها أم كلثوم وإلى مقتطف من الروائي المصري نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل في الأدب، إضافةً إلى جون كيري وزير الخارجية الأميركي، وفيليب هاموند وزير خارجية بريطانيا، وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق.
وقال سير مارتن سوريل، المدير التنفيذي لشركة «دبليو بي بي» الإعلانية الأضخم في العالم، في حديث لصحيفة «غارديان» البريطانية في هذا الصدد:« من شأن مؤتمرات كهذه أن تعيد رسم الصورة. إنها تبدل الأجواء والمفاهيم. ونظراً لما حدث في مصر، على مدى السنوات الأخيرة الأربع، فإن من الواضح أن الوضع قد تغير، ولا بد من إعادة التموضع.»

