تكمن إحدى المفارقات في حياة واشنطن القائمة على التنافس الحزبي، في مواصلة السياسيين والمشرعين المطالبة بوضع «استراتيجية»، من دون النظر إلى أبعد من الحدود العسكرية لهذه المطالبة. وانعدام رؤية الهدف واحدة من الطرق لخسارة الحرب، حيث تبدو المنافسة مفتوحة بين كل من الإدارة الأميركية ومجلس الشيوخ لمعرفة الجهة الأفضل في تجاهل الهدف.
ويبقى السؤال الجوهري في كل من العراق وسوريا فيما يتعلق ب«الحرب على (داعش)»، حول كيفية جلب استقرار هادف إلى كل من البلدين. وتبقى الانتصارات العسكرية، في أفضل حللها، مجرد وسيلة تبرر الغاية، ويمكن أن تزيد الأمور سوءاً ما لم تكن مرتبطة بمجموعة من الأهداف الاستراتيجية الكبرى.
من الأهمية بمكان تفكيك تنظيم «داعش» جدياً، حيث إن وجود نواة دولة متشددة قائمة على العنف، لا يهدد المنطقة المحيطة وحسب، بل العالم الإسلامي برمته ويؤدي إلى نشوء مخاطر انتشار الاعتداءات الإرهابية خارج نطاق تلك الدول.
علماً بأن إلحاق الهزيمة المطبقة بالتنظيم، بالكاد سيقضي على تهديد العنف أو يضع حداً، داخل العراق وسوريا، للانقسامات التي كانت وراء تقوية «داعش» في الأصل. وتتعلق القضية أيضاً بوجود هدف استراتيجي شامل يحقق الاستقرار في البلدين، على ما تنطوي عليه هذه الخطوة من تحديات مختلفة.
يرادف كل شكل من أشكال «الانتصار» الدائم والحقيقي في العراق الخروج من دوامة الصراع الحالي بحلّ للانقسامات العميقة بين العرب والأكراد والسنة والشيعة. لا بد من وجود مستوى فاعل من الحكم والأمن والقدرة على الذهاب باتجاه مسار ناجع ما للتطور. كما لا بد من حل مشكلات العراق المتعلقة بالسياسة والحوكمة والأمن والاستقرار.
يتطلب استقرار العراق اهتماماً خاصاً بالأزمة الاقتصادية التي يعانيها بسبب التراجع الهائل في عائدات النفط، والتدهور الكبير في مجالات التنمية والفرص الاقتصادية الناجم عن القتال الحاصل، وتشكيل هيكلية أوسع للحوكمة التي يعتبرها صندوق النقد الدولي الأسوأ في العالم، والأكثر فساداً.
لا تعتبر استراتيجية «التدريب والمساعدة » مناسبةً في ظل الظروف القائمة، تماماً كإرسال قوات أميركية أو أجنبية إلى البلاد التي أدت صراعاتها الداخلية إلى حرب أهلية، قبل أن تشكل فراغاً في السلطة عمد تنظيم «داعش» لاستغلاله، وحيث سيعتبر أي وجود أميركي بارز تحيزاً لأحد الأطراف.
خوض الحرب في العراق ضرورة، إلا أنه ليس سوى الوسيلة التي تبرر الغاية، ولا فوائد هامشية ترتجى منه إلا بوجود استراتيجية هادفة تؤمن الاستقرار على نطاق أوسع في مجال السياسة والحوكمة والتنمية.
يعتبر الوضع في سوريا أكثر سوءاً، ويمثل مشكلة إضافية لناحية إمكانية بث الأمن في العراق، في ظل بقاء سوريا أسيرة الحرب الأهلية. كما أن المأساة الإنسانية في سوريا أوسع نطاقاً، وتشمل نصف عدد السكان، إضافةً إلى ارتفاع مستوى الدمار.
إلا أنه، خلافاً للعراق، لا يظهر في سوريا أي مؤشر يدل على حصول أي تقدم عسكري أو حلّ للأزمة. ولا يمنح أي عنصر بين المجموعات الأساسية الثلاث المتقاتلة أملاً أو أمناً أو استقراراً من خلال تبني الخيار العسكري.
اعتمدت الإدارة الأميركية وأشرس منتقديها نهجاً متحيزاً في سوريا، أدى إلى فراغ فكري استراتيجي، ولم يقدم أي طرف خطة عامة تتجاوز المقاربات التنافسية لاستخدام القوة، دون التركيز على الأهداف التي قد تحدث فارقاً حقيقياً. لا بد لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ومجلس الشيوخ الأميركي من السعي نحو أهداف محددة في العراق وسوريا لتحقيق نجاح مستدام.
توترات وانقسامات
سيؤدي دحر تنظيم «داعش» في الشمال، إلى إظهار عمق التوترات بين العرب والأكراد، وبروز مشكلات إثنية قد تكون بمستوى خطورة التوترات المذهبية. ويوازي ذلك خطورة اللجوء إلى الهجمات الجوية لأميركا وحلفائها، لأن ذلك يعزز الانقسامات ويقوي اعتماد الحكومة العراقية ذات الأغلبية الشيعية على قوة إقليمية.

