العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    القوة العسكرية وحدها لا تكفي لمواجهة التنظيم

    التحالف الدولي مطالب بالتصدي لأيديولوجية «داعش»

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    ترتطم الأمواج بفتور على شاطئ البحر بينما تظهر على الشاشة صور كالأشباح المرتجفة وهي تتحرك جيئة وذهاباً. وموكب لا نهاية له من قتلة يرتدون ملابس سوداء، كل واحد منهم بمظهر عملاق يتعدى طوله سبعة أقدام يقتاد ضحيته كأضحية، ويصطف الجميع على شاطئ البحر في عملية مونتاج ماهرة بزوايا متعددة ولقطات من أعلى، وعملية مونتاج سريعة لشريط الفيديو على غرار محطة «إم تي في».

    وفيما تبطئ الكاميرا المشهد على الرعب المرتسم على وجوه الضحايا، يصدر أحد القتلة، بزيه المموه، تهديداته وعواقبها الوخيمة بلغة إنجليزية أميركية واضحة، ذات لكنة عربية خفيفة. ثم يجري دفع الضحايا على الرمال ووجوههم إلى الأسفل، وتقطع رؤوسهم على نحو شنيع، ثم يوضع الرأس على الجسد، ونرى البحر وقد تلون بلون الدماء.

    هذا ما يفصح عنه الفيديو الأحدث لتنظيم «داعش»، ليظهر كما يبدو قتل 21 رهينة مصرية قبطية في ليبيا. وقد صدمت دعاية هؤلاء القتلة الأصدقاء والأعداء على حد سواء، بمزجها جودة إنتاج الفيديو والوحشية المذهلة فيه. والرمزية هنا متعمدة ونموذجية: وفي صلب السيناريوهات المعدة بدقة للتنظيم، هناك استراتيجية اتصالات متطورة تهدف إلى إيصال رسائل متعددة إلى جمهور متفاوت.

    وقد استشاط الناس غضباً في أرجاء العالم العربي لدى عرض شريطي الفيديو، لاسيما في مصر والأردن، مع قيام هاتين الدولتين بشن غارات ضد مراكز تنظيم «داعش».

    لكن التنظيم يبدو غير مبال، ذلك أنه كمنظمة حازمة، يسعى إلى فرض واقع جديد على الناس بالعنف، ولا يأبه لكسب قلوب معظم الناس وعقولهم. ونجد ان "داعش" لم يعد يبالي للعمل العسكري الذي انجراليه التحالف الدولي ضده من دون مواجهة القوة الأيديولوجية لدعاية التنظيم الإرهابي.

    وفي التعامل مع خصمه، فإن الهدف الأكثر وضوحاً لتنظيم داعش يكمن في زرع الخوف في نفسه. وخلال حملته في سوريا والعراق، أظهر التنظيم درجة مثيرة للقلق من النجاح في إرعاب خصومه. وهذه النتيجة الحتمية تعزى للشراسة المتصاعدة لأشرطة الفيديو التي بثها.

    الجمهور المستهدف

    والجمهور الأساسي الذي تستهدفه دعاية «داعش» ليس الحكومات الغربية. فالتنظيم يجند رجال القبائل السنية والمقاتلين الأجانب بوتيرة أسرع مما تتمكن الضربات الجوية للتحالف من استنفاد قواته. ونحن نشهد ربما أكبر دفعة من المتطوعين الدوليين منذ الحرب الأهلية الإسبانية.

    وكما يظهر، فإن الفيديو الجديد للتنظيم ودعايته التي تنتشر وصلت الآن إلى ليبيا. ومن الواضح أن رسالة «داعش» تنتشر، لكن كيف؟ ما تصرح به رسائل «داعش» بكل وضوح هو القوة والتحدي: تمكين الذات من خلال أشد أشكال الانتقام الممكنة من المجتمعات التي تهاجم التنظيم.

    وتغمر التعابير الطنانة خطاب التنظيم، وهذه تعد بإعتاق المسلمين من تاريخ من الذل الذي لحق بهم. وأشرطة الفيديو الأكثر فعالية للتنظيم تبدو مرعبة، وتعمل على نقل الجمهور إلى فضاء وهمي حيث نقترب من «نهاية الساعة»: ستقضي عودة الخلافة على «جيش الصليبيين في دابق» (البلدة السورية التي تعادل لدى المسلمين في بعض التقاليد هرمجدون بالنسبة للغرب).

    وتفترض رسائل «داعش» أنها تشكل بديلاً جذرياً لثقافة عالمية معاصرة صنعها الغرب، كما تشكل بديلاً للنظام الإقليمي السائد في الشرق الأوسط. وهي تستعيد خزان الذاكرة الثقافية الجماعية للمسلمين عندما تعلن زعيمها أبو بكر البغدادي، الخليفة الجديد.

    والمفارقة في خطاب التنظيم هي أنه على الرغم من مزاعم العودة إلى الأسلاف، فإن مشروع «داعش» يشكل في الجوهر حركة ترتكز إلى الحداثة، رد فعل سياسي ارتدادي على مظالم تعود إلى القرن الحادي والعشرين. ومعظم المسلمين مصدومون من وحشية «داعش» ومشاهد تمجيد السادية.

    لكن الدمج بين التوق لإحداث تغيير جذري والمظالم المعاصرة، وبين الرغبة الباطنية بفداء التاريخ بمزيد من مؤثرات الاستباحة يثبت هذا الدمج على أنه فعال على نحو مقلق ضمن دائرة واسعة من الشبان المهمشين الغاضبين.

    وبمعزل عن ترويع ممارساته، فإن لدى تنظيم «داعش» خطاباً واضحاً وبسيطاً ومتسقاً. وهناك قليل من البدائل، إن وجدت، أو السرد التاريخي المضاد الذي يفترض به التنافس مع سرد التنظيم لكسب الجمهور المستهدف المؤلف من المجندين الشبان.

    والآن بينما انجر التحالف الدولي لعمل عسكري ضد «داعش»، فإنه أهمل القوة الأيديولوجية لدعايته. وينبغي على الإدارة الأميركية إنفاق قدر كبير من الوقت والجهد والموارد، والعمل عن كثب مع حلفائها الإقليميين، لتطوير مجموعة وسائل يمكنها أن تتصدى بشكل فعال للجاذبية المتصورة لمسرح «داعش» في الوحشية والقسوة.

    وحشية وحداثة

    صدمت دعاية هؤلاء القتلة في تنظيم داعش الأصدقاء والأعداء على حد سواء، بمزجها جودة الإنتاج العليا لأفلام الفيديو والوحشية المذهلة فيها. ويأتي الفيديو الأخير في أعقاب شريط فيديو آخر في فبراير الماضي، يظهر الطيار الأردني الذي ألقي القبض عليه، الملازم أول معاذ الكساسبة، وقد أضرمت فيه النار حياً.

    عمل درامي مروع لما يدعيه القتلة التكافؤ بين الغارات الأردنية ضد «داعش» وإعدام السجناء. وضحايا «داعش» تم إجبارهم على ارتداء ملابس رياضية برتقالية اللون، في إشارة واضحة إلى المعتقلين في القاعدة العسكرية الأميركية في غوانتانامو بكوبا.

    وفي الفيديو الجديد، يجري توضيح موقع التصوير على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بقربه من أوروبا و«يكرر الناطق باسم (داعش) طموح الجماعة لـ(غزو روما)»، ولأن الولايات المتحدة قد «أخفت» زعيم القاعدة أسامة بن لادن تحت الأمواج (حيث دفن في البحر).

    طباعة Email