عقب وصول حيدر العبادي لرئاسة مجلس الوزراء في العراق، أثنى الرئيس الأميركي باراك أوباما على ما أسماه الحكومة العراقية «الشاملة»، القادرة على توحيد السنة والشيعة والأكراد في مواجهة تنظيم «داعش».

وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت الدعم العسكري للعراق بعد انهماك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بحماية مصالح الشيعة، على حساب مصلحة البلاد العليا. ومن الواضح أن البيت الأبيض كان يعتقد أن العبادي المنتمي إلى حزب المالكي نفسه، قد يتمكن من قلب السياسات الطائفية لسلفه، إلا أن الأشهر الستة التالية أثبتت العكس، فتفشت الميليشيات وفرق الموت الطائفية مجدداً، بعد بضع سنوات فقط من انتشار حالة الهدوء النسبي، وبات الاقتتال العراقي الداخلي عائقاً بوجه أبسط الحلول لوقف الصراع المستشري.

وتتركز جهود الحرب الحالية لأميركا وحلفائها على قصف قواعد التنظيم في العراق وسوريا، غير أن العراق يشهد حرباً ضروساً أوسع نطاقاً منذ إطاحة أميركا بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عام 2003، التي مكنت الأغلبية الشيعية من تأسيس سلطتها والحفاظ عليها، خلافاً لما كان الوضع عليه أيام صدام، حيث كان السنة يتمتعون بمكانة أفضل.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا ترغب بتفكك العراق، إلا أن الدفع بهذا الاتجاه يشكل إحدى العواقب غير المقصودة للحرب، تماما كالدعم غير المشروط الذي منحته واشنطن لإعادة بناء الجيش العراقي والنظام السياسي بقيادة الشيعة.

علماً أنه توجد بعض الطرق الجيدة التي تحول دون التوصل إلى هذه النتيجة، عند خوض مثل هذا النوع من الحروب. وقد تؤدي المخاوف الأميركية من تعمّق الشقاق الطائفي في العراق، وتقويض أسس الدولة بتشكيلتها الحالية، إلى عرقلة مسيرة مواجهة تنظيم «داعش».

اليوم يجازف السنة، الذين قاوموا بدعم من الولايات المتحدة تنظيم «القاعدة» الذي سبق بروز «داعش» في العراق، بخوض خطر مضاعف بتعاونهم مع الحكومة العراقية. فمن جهة، هم يشكلون هدفاً لإعدامات «داعش» ومناصريه، وقد تعرض العديد من الشخصيات البارزة للقتل بسبب تأييد الحكومة. كما أنهم مبغوضون من الميليشيات الشيعية، التي ارتفعت مكانتها مجدداً مع اشتداد الحملة المناهضة لـ«داعش». وتقود طبيعة الوضع الراهن في العراق العديد من قادة السنة إلى اختيار «أهون الشرور»، بربط مصالحهم مع «داعش»، على أمل النجاة بأرواحهم وإنقاذ عائلاتهم من الموت.

لقد تعهد العبادي بكبح جماح الميليشيات، خلافاً لما يحصل على أرض الواقع، ويؤكد هذا على قول الخبراء إنه يتعين على قادة السنة التماس الدعم حيث يجدونه، لا سيما بعد تخلي أميركا عنهم. إلا أن أوباما وإدارته يقتربون من مرحلة الحسم، واتخاذ القرار بالاعتراف بما فعلوه، أو القول إن رغبة بغداد في عدم تقوية السنة من خلال محاربة «داعش»، لا تتوافق مع رغبة واشنطن.

أما بالنسبة للعبادي، فإنه ما من سبب يدعو للاعتقاد أنه سيعتمد نهجاً مختلفاً عن نهج المالكي، في حال الفوز بالحرب على «داعش». ويبدو أن حظوظ العبادي بالنسبة لأميركا على المدى الطويل لا تختلف عن حظوظ سابقه. فقد أكد، أخيراً، أنه لا ينبغي الوثوق بأميركا، مشيراً إلى أن أية قوات أجنبية تدخل العراق ستعمل على احتلاله للأبد. وقد تعارض كلامه ذاك مع مناشداته المتكررة للحصول على مساندة الجيش الأميركي لدعم القوات العراقية المتداعية بوجه هجمات «داعش» في الشمال. ومن المرجح ألا يكون على هذا القدر من المساومة لو كان في موقع أقوى.