كتبت هذا المقال على هامش مفاوضات مصيرية حاسمة مع دائني اليونان، وهي مفاوضات قد تطبع بنتائجها جيلاً كاملاً من اليونانيين، وتشكل نقطة تحول في تجربة أوروبا المتفتحة مع الاتحاد النقدي.
سارع بعض المراقبين إلى الافتراض بأني كوزير جديد للمالية اليونانية، منهمك في ابتداع الحيل والمكائد والخيارات الخارجية، ومناضل في سبيل التحسين على أسس واهية. وهذا أبعد ما يكون عن الواقع. لقد جعلتني خلفيتي كباحث أكاديمي في نظرية اللعب، مقتنعا تماماً أنه سيكون من الجنون المطبق اعتبار المباحثات الدائرة حالياً بين اليونان وشركائها، كلعبة مقايضة مرهونة خسارتها أو الفوز فيها بالخديعة والمكائد التكتيكية.
ففي الوقت الذي تكمن مشكلة نظرية اللعب في استهتارها بدوافع اللاعبين، تكمن المسألة برمتها في المباحثات هنا في صياغة دوافع جديدة تتخطى الانقسامات الوطنية، وتلغي التمايز بين الدائن والمدين لخير الرؤية الأوروبية الموحدة، وتضع صالح أوروبا العام فوق المصالح السياسية الضيقة. أثق، كوزير مالية بلد صغير مخنوق مالياً بأن خيارنا الوحيد يتمثل في الإعراض عن مغريات اعتبار هذه اللحظة المصيرية كاختبار في وضع الاستراتيجيات، والإقبال على الحقائق المتعلقة بالاقتصاد الاجتماعي لليونان، وطرح مقترحات إعادة إنماء البلاد، وتوضيح مصلحة أوروبا في ذلك.
ينطوي الفارق الأكبر بين الحكومة اليونانية الحالية وسابقتها على شقين، يتمثل أولهما في الإصرار على حقوقنا المكتسبة لإعادة إنهاض اليونان، وكسب ثقة شركائنا، ويتمحور ثانيهما حول الإصرار أيضاً على عدم معاملتنا على أننا مقاطعة مديونة ومحكومة بالمعاناة.
يتعين علينا، مهما كانت العواقب، أن نمتنع عن الدخول في صفقات مجحفة بحق اليونان وأوروبا معاً.
ولا يظن أحد أن الانسحاب من نظرية اللعب يعود إلى أجندة يسارية راديكالية، بل إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت، الذي علمنا أن العقلانيين والأحرار يبتعدون عن النفعية باعتماد ما هو صواب.
* وزير المالية اليوناني

