تقرر الحكومة الأميركية أن هناك دولة استبدادية سيئة الحكم في العالم العربي أو الإسلامي تمثل مصدراً محتملاً لمشكلة خطيرة عليها. فترسل بعض القوات أو الأسلحة المتطورة لحل المشكلة، وتدعم بعضاً من القادة المحليين على أمل تشكيل حكومة أفضل حالاً.
لكن بدلاً من القضاء على الأشرار الذين تتخوف منهم واشنطن، وإقامة نظام جديد أفضل، فإن تدخل واشنطن يشعل العداء ضدها، ويعزز صراعاً محلياً مختمراً. ويتبين أن الأشخاص الذين دعمتهم الولايات المتحدة إما فاسدون وغير فعالين، وإما الاثنين معاً، وإما غير قادرين على استلام السلطة أو البقاء فيها. وبعد إرسال عشرات الملايين من الدولارات وتفجير حفنة من الأشياء، نعود من حيث بدأنا.
هل يبدو الأمر مألوفاً؟ مع بعض الاختلافات، فإن تلك القصة تعيد نفسها في العراق وأفغانستان وليبيا والصومال وسوريا، والآن اليمن. لكن برغم هذه السلسلة الطويلة من الإخفاقات، لا يبدو هناك اعتراف رسمي أميركي بأنه من الممكن أننا نتعامل مع تلك المشكلات بالطريقة الخطأ.
وسياسة مكافحة الإرهاب الأميركية أولت اليمن اهتماماً كبيراً. وعندما اندلعت احتجاجات جماهيرية ضد الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في عام 2011، ساعدت واشنطن في التوسط في حل يقضي باستقالته، ودعمت خلفه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. لكن هادي أجبر على الاستقالة، أخيراً، بعد استيلاء الحوثيين على العاصمة.
وهناك دروس لأميركا من تدخلاتها تتجاوز تفاصيل هذه الحالة الخاصة.
الدروس العامة
الدرس الأول هو أن الولايات المتحدة ينقصها فهم مفصل ومركب لعدد كبير من المجتمعات، وخصوصاً تلك المجتمعات التي تاريخها وثقافتها وشبكاتها الاجتماعية وتطلعاتها مختلفة جذرياً عن تطلعات الأميركيين. ومن الصعوبة بشكل كاف إدارة العمليات السياسية والاجتماعية في مناطق نفهمها جيداً، فكيف بإجراء بناء اجتماعي من هذا النوع في مناطق حيث فهم المرء لما يجري فيها محدود.
والدرس الثاني الذي يجري نسيانه باستمرار، هو أن القوة العسكرية أداة خام تنجم عنها دوماً آثار غير مقصودة.
وضربات الطائرات الموجهة عن بعد الأميركية وغيرها من النشاطات قتلت دون شك بعضاً من أعضاء تنظيم القاعدة، لكن المشكلة تكمن في أنها قتلت أيضاً الكثير من اليمنيين الأبرياء وحولت الرأي العام ضد الولايات المتحدة نفسها.
ثالثاً، وكما توثق الباحثة في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، سارة تشايس، في كتابها الجديد، فإن التدخل الخارجي حتى بنوايا حسنة يعزز الفساد، في معظم الأحيان، وهذا من شأنه إفقاد الحكومات المحلية شعبيتها وجعلها غير فعالة.
رابعاً، السياسيون في الأراضي البعيدة يقولون لنا ما نريد سماعه، بمعزل عن صحة ما يقولون. وهذا ينطبق خاصة على حلفاء أميركا المختلفين في الشرق الأوسط الذين يعملون ساعات إضافية لجر الولايات المتحدة إلى خلافاتهم المحلية.
في اليمن، فاز صالح بدعم أميركا لسنوات، بالزعم أنه عدو لدود للقاعدة، على الرغم من أنه من غير الواضح أنه بذل الكثير في سبيل معالجة المشكلة.
والدرس الأخير هو أن تدخلنا الذي يأتي بنتائج عكسية في منطقة الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً قد يكون غير ضروري. وفي الواقع، ما يحدث في اليمن ليس أمراً حساساً لأمن الولايات المتحدة.
وبالتأكيد، يكرس تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بعض الجهود في حياكة مؤامرات ضيقة النطاق ضد الولايات المتحدة وحلفائها، ودعاية القاعدة ربما تجذب بعض التعاطف بين المسلمين المهمشين في أوروبا وأماكن أخرى.
لكن الخطر الفعلي من تلك المؤامرات ضئيل، وأفضل رد عليها هو في عدم استمرار التدخل في تلك البلدان، لأن هذا يكسب التنظيم المزيد من الاتباع. وبدلاً من ذلك، فإن الرد الأفضل يكمن في العمل الاستخباري قديم الطراز، وتقاسم المعلومات الفعالة مع الحلفاء الأساسيين، وفي الدفاع اليقظ عن الولايات المتحدة نفسها.
ولنتذكر أن مشكلة الإرهاب لدينا كانت جزئياً بسبب أن الولايات المتحدة كانت تتدخل بشكل متكرر في «الشرق الأوسط الكبير»، وليس دوماً للأسباب الصحيحة، أو بكثير من المهارة أو الفاعلية. ويبقى المبدأ الجيد «لا تؤذ»، والفصل الأخير في اليمن يشكل دليلاً إضافياً على هذه الحقيقة. والسؤال الوحيد هو: هل يوجد في واشنطن من يلقي نظرة على سجلنا الأخير، ويبدأ العمل على نهج بديل؟
حالة
في العراق وأفغانستان وليبيا والصومال وسوريا، والآن في اليمن، في كل حالة من الحالات، استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية والعمل السري لمحاربة الإرهابيين وإعادة تنظيم السياسات لدولة بعيدة.
وفي كل حالة من الحالات، فإن التدخل الأميركي لم يحسن الأوضاع السيئة، وفي معظم الأحيان زادها سوءاً. لكن رغم هذه السلسلة الطويلة من الإخفاقات، لا يبدو هناك اعتراف رسمي بأنه يمكن أن نكون نتعامل مع تلك المشكلات بالطريقة الخطأ.
وكارثة اليمن تبدو مفيدة تحديداً في هذا المجال. واليمن هي أفقر دولة في العالم العربي، بتاريخ طويل من الانقسامات السياسية والتدخلات الخارجية. والبلاد كانت منقسمة إلى نصفين شمالي وجنوبي في عام 1967، واتفقا على التوحد في عام 1990، لكن الانقسامات العميقة بقيت.
