يبدو أن رحى المعارك في سوريا ستدور لسنوات عدة مقبلة، وقد قتل أكثر من مئتي ألف سوري، وشرّد 12 مليوناً، في أكبر أزمة إنسانية في العالم. كما توقفت عمليات جنيف التي رعتها الأمم المتحدة، ولم تؤد محادثات موسكو الأخيرة المستوحاة من روسيا، إلى شيء.
وفي ظل هذا الوضع البائس، عقد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، سلسلة مباحثات مع القادة المحليين في حلب، ويبدو أنه يعتقد بإمكانية تحقيق شيء هناك. وهو يريد من قوات المعارضة والحكومة في المدينة الاتفاق على تجميد للقتال. وما يعنيه بالتجميد هو الوقف التام للقتال يقابله اتفاق بعدم تحريك القوات إلى داخل المدينة، لكي لا يكسب أحد الطرفين ميزة استراتيجية من تمركز قواته، بطريقة تحقق أفضل النتائج في اللحظات التي ينتهي فيها وقف إطلاق النار.
وتحدث دي ميستورا للصحافيين في لقاء خاص أخيرا، عن كيفية دعم القادة المحليين في المدينة، المنقسمة بعمق على بعضها بعضاً، لمثل هذه الفكرة وترحيبهم بأي دعم إنساني. وأضاف إن عنصراً أعطى لفكرة تجميد القتال في حلب طابعا ملحاً يتمثل بوجود «جبهة النصرة» و«داعش» على بعد 30 كم فقط عن المدينة، وهما التنظيمان اللذان لا ترغب الحكومة وقادة المعارضة بوجودهما في حلب.
وفي سبيل الخروج بهذا الاقتراح بتجميد محلي للقتال، اعترف المبعوث الخاص للام المتحدة بأن الجهود المختلفة للتوصل إلى حلول سياسية، يجري التفاوض عليها على المستوى الوطني، قد توقفت. وقال إن محادثات جنيف لم تعد مفيدة أو مقبولة أصلا، حيث إن الوضع على الأرض تغير منذ كتابة بروتوكول جنيف 2، وأي عودة إلى صيغة جنيف تحتاج إلى تحديث البروتوكول.
ارتباك واضح
أضاف المبعوث إنه حتى لو لم يحضر محادثات اللجنة التحضيرية في القاهرة تحضيراً لمباحثات موسكو التي تدعمها روسيا، فإنه لا يأسف للارتباك الواضح في المباحثات الموازية، لأن أولوياته كانت في إيجاد طريقة لتحقيق بعض الاستقرار ووقف القتال.
وأفيد، في وقت لاحق، بأنه حضر محادثات موسكو، لكن هذه المحادثات أخفقت في تحقيق أي تقدم، حيث أن المعارضة السياسية الرئيسية في سوريا، التحالف الوطني السوري المدعوم من الغرب، رفضت الحضور لأنها لا تشارك إلا في محادثات تؤدي إلى رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة.
وهذا الطلب يعود إلى الجولة الأولى من محادثات جنيف عام 2012، التي دعت إلى هيئة حكم انتقالي يجري تشكيلها بالتراضي، والتي فسرتها المعارضة بأنها حق لها بالإصرار على رحيل الأسد، على الرغم من أن داعميها الأكثر التباسا في الولايات المتحدة يبدون أكثر براغماتية بشأن هذا الموضوع الآن.
وقد تحدث كثيرون عن ضرورة إيجاد حل سياسي، وهناك اتفاق واسع النطاق بأن الحرب الأهلية في سوريا لا يمكن خوضها حتى النهاية.
ويكمن التحدي في كيفية جلب الأطراف إلى طاولة المفاوضات، ومن ثم الاتفاق على طريق للمضي قدما، على أن تتضمن عناصر من النظام ( مع إيجاد حل لمصير الأسد)، ومختلف فصائل المعارضة، لكن مع استبعاد بالضرورة للجماعات الإرهابية مثل تنظيم «داعش» وأشباهه الذين يفتقرون إلى أي إحساس بالهوية الوطنية، وبالتالي، لا يملكون شيئا للمساهمة في إعادة بناء سوريا.
والجهات الإقليمية والدولية الفاعلة في سوريا بحاجة إلى أن تكون جزءا من الحل، بحيث يتم الكشف عن حروبها بالوكالة، ويمكن التعامل معها بواقعية. على سبيل المثل، تحصل حكومة الأسد على دعم كبير من روسيا وإيران، وبالتالي ينبغي أن تكون هاتان الدولتان جزءا من الحل، حتى لو كان هذا يعني فقط، وقف توريد الأسلحة والدعم.
لكن في ظل غياب أي عملية من هذا القبيل، فإن جهود ميستورا في حلب تشكل بصيص الأمل الوحيد، الذي يمكن لملايين اللاجئين السوريين التطلع إليه، والحصول على بعض العزاء بوجود نوايا حسنة.
درب السلام
قال المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، إن إيجاد حل للأزمة السورية قد يبدو مثل «مهمة مستحيلة»، لكن ينبغي التوصل إلى تحقيق ذلك، لكي يكون للأطراف، عندما تصبح على استعداد لإجراء مباحثات، إمكانية إيجاد إطار صالح ومحدث يمكنه أن يوجه البلاد نحو درب السلام. ويدرك دي ميستورا جيدا.
كما كل القادة العرب، بأن فوضى الحرب الأهلية التي استغلها تنظيم داعش يمكن أن تنتشر على نطاق واسع، وتبدأ ربما في دولة لبنان الضعيفة، وأبعد من ذلك في اليمن، ناهيك عن الدول العربية الأكثر استقراراً.
وقد جادل دي مستورا لصالح إدراج جيران سوريا إلى جانب روسيا في التوصل إلى حل سياسي للحرب الأهلية في سوريا، وقال متحدثا إلى لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي في بروكسل: «لا يوجد ما يكفي، من دون هذه الدول، الكتلة الحرجة المطلوبة للتوصل إلى حل».
