خرج المصلون، أخيراً، بعد أداء مراسم الصلاة في المسجد الكبير في باريس يوم الجمعة، وهم يـــــحملون رايات كتب عليها على خلفية العلم الفرنسي «ارفعوا أيديكم عن بلادي».

ويشعر معظم المسلمين في فرنسا بأنهم فرنسيون تماماً، ويرغبون من أغلبية المجتمع الفرنسي تقبلهم على هذا النحو. لكن مهما حاولوا بشكل قاطع رفض الإرهاب المرتكب باسم الإسلام، فإن العديد من المواطنين الفرنسيين ما زالوا ينظرون إليهم بعين الشك.

وعلى مدى عقود، كان المتشددون الإسلاميون يعملون بكد، في السجون والضواحي الصناعية ومساجد الأحياء، على نشر هوية دينية قوية وأمل بالمستقبل لدى الشباب الساخط.

وأصبح الإسلام يوفر بالنسبة للعديد من الشبان الفرنسيين، من أصول مهاجرة، ثقافة لم تتمكن فرنسا من غرسها. وبالنسبة للبعض، تم إحلال الرغبة في الحياة برغبة في الموت، موت الآخرين وموتهم كشهداء مصيرهم الجنة. وبهذه الطريقة جند تنظيم القاعدة و«داعش» متطوعين لتدريبهم في العراق واليمن وباكستان أو ليبيا.

ولم تول الحكومة الفرنسية اهتماماً جدياً ومتواصلاً للوضع في ضواحيها الكئيبة، في معظم الأحيان. والمجندون استهدفوا تلك المساحة الفارغة، التي هجرتها الدولة. واللغة العرقية المتزايدة للجبهة الوطنية من الجناح اليميني، وتيار من الخطاب الفكري الذي يتهم المهاجرين وأبناءهم بطمس الشخصية الوطنية في فرنسا، عزز الاستياء بين أوساط الشباب الذين تعتبر فرنسيتهم دوماً موضع تساؤل.

رؤية سياسية

وتغيير الحياة اليومية للمسلمين الفرنسيين يتطلب رؤية سياسية جديدة وواضحة، وتصميماً حقيقياً على مواجهة مشكلات الضواحي المضطربة، والاعتراف بهوية الشبان الفرنسيين الذين تركوا ليتدبروا أمورهم بأنفسهم، وهم يواجهون العنصرية أينما توجهوا للحصول على عمل أو للخروج لقضاء أمسية. ويتعين على السلطات أن تتعامل مع نشاطات التجنيد لدى رجال الدين المتشددين ومراقبة خطاباتهم، ووقف نشاطاتهم في السجون التي تشكل أماكن مثالية للتلقين. وأخيراً، ينبغي بذل جهود كبيرة في المدارس، ومراجعة الكتب المدرسية لتعكس تنوع التقاليد الفرنسية، مع تقديم مواد جديدة عن العنصرية وتاريخ الأديان.

لكن الأمر يعود أيضاً إلى المسلمين في تنظيم أنفسهم والعمل على تعليم المراهقين.

وبعض الأئمـــة وعد بالشــروع بمهــــمة الإنقاذ تلــــك، لكنها مهمة شاقة: في مدارس معينة ضمن دائرة «سين سان دنيس»، على سبيل المثال، رفض بعض الطلاب من أصول مـــهاجرة الوقــوف دقيقة حداداً أخــــيراً لتكريم ضحايا الاعتداء على مكاتب صحيفة «شارلي ايبدو».

لكن الملايين الذين ساروا في المدن في أنحاء فرنسا، في استعراض سلمي للتضامن، يشكلون مدعاة للأمل.

والمأساة في فرنسا كان لها تأثير مذهل في أنحـــاء العالم. فهل ستعمل الحكومة على رمى طوق النجاة الآن لجيل من المواطنين الفرنسيين الشباب الذين تقطعت بهم السبل لعدم وجود رعاية ثقافية وتعليمية، وتم إغواؤهم بسهولة من قبل رجال يبــــدون غير عنيفين في الظاهر؟

تخويف مفتعل

الفرنسيون خائفون، أو بتعبير أدق يجري تخويفهم، وحزب الجبهة الوطنية الفرنسية جعل الخوف عقيدته. يشوه صورة ملايين المهاجرين بأنهم غزاة، يقتاتون على منافع الرعاية الاجتماعية، في حين يعرضون الآخرين لفقدان وظائفهم.

 وفرنسا ممزقة الآن بين يمين متطرف يزداد قوة (حيث تشير الاستطلاعات إلى أن زعيمة الجبهة الوطنية، مارين لوبن، يمكنها أن تفوز، في الانتخابات الرئاسية عام 2017)، وتقاليدها الليبرالية المتمثلة في توفير الحماية للمهاجرين. وفيما يطالب الجناح اليميني بغلق الحدود، فإن الجناح اليساري عازم على البقاء وفياً لمبادئه الإنسانية.