جمع لقاء مطول على الغداء، في 16 ديسمبر عام 2003، مجموعة تنتمي إلى جهاز المخابرات البريطانية المعروف باسم «إم آي 6»، وجهاز الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه»، ومسؤولين في المخابرات الليبية، وذلك داخل غرفة خاصة بنادي «ترافيلرز» الواقع في شارع «بال مال» بلندن. كانوا ينتظرون تخلي الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي عن برنامجه للأسلحة النووية.

وبحلول المساء، بعث القذافي أخيراً برسالة أعرب فيها عن موافقته على الأمر، معطياً الضوء الأخضــــر لتحول مثير في العلاقات بين بريـــطانيا والدكتاتور الليبي. وبعد أن كان شـــريراً، باعتباره الرجل الذي زود الجـــيش الجــمهوري الأيرلندي بالأسلحة، والرجل المسؤول عن كارثة لوكربي، والرجـــل الذي قتل عملاؤه ضابط الشرطة ايفون فلتـــشر في مـــيدان ســانت جيــمس بلنــــــدن عام 1984، تحول القذافي فجأة إلى صديق مفيد ونافع.

ثم شرّعت الأبواب أمام صفقات بريطانية هائلة ومجزية مع ليبيا: فوقعت شركة «شل» على عقد للتنقيب عن الغاز واسع النطاق، كما وقعت «بريتش بتروليوم» على عقد للتنقيب عن النفط بقيمة 15 مليار جنيه إسترليني معها، وهو العقد الذي أصبح معروفاً باسم « الصفقة الصحراوية». وكتب رئيس الوزراء البريطاني حينها توني بلير إلى القذافي في يونيو 2007، يقول: «عزيزي معمر، لقد قدت عملية تحول حقيقي في العلاقات بين بلدينا في السنوات الأخيرة، وهو تحول سوف يستفيد منه شعبانا».

لكن الترحيب بالقذافي، في أعقاب ذوبان البرودة في العلاقات، لم يقتصر على الجانب التجاري، ولم يستفد منه الجميع. وكما وصف ايان كوباين بالتفصيل في صحيفة الـ «غارديان»، فقد أدى إلى مشاركة وثيقة لجهازي «أم 16» و«أم 15» في عمليات الاختطاف السرية لخصوم القذافي، والتواطؤ (عن عمد أم لا) في عمليات تعذيبهم اللاحقة، ولعب دور نشط في استجوابهم، وفي ترهيب منشقين ليبيين في بريطانيا.

ومثل هذه الأعمال تجافي أحاديث النفي والتأكيد المتكررة من قبل الوزراء أمام البرلمان والجمهور البريطاني. وربما لم تكن لتصل هذه الأعمال أبداً إلى الضوء، لو لم تظهر في ملفات رئيس المخابرات الليبي في عهد القذافي، موسى كوسا، (الذي أصبح زميلاً مقرباً من السير مارك آلن، رئيس مكافحة الإرهاب في «أم آي 6»، والذي عين لاحقاً مدير شركة بريتش بتروليوم)، التي كشفت عنها الضربات الجوية التي قادها حلف شمالي الأطلسي «ناتو» على طرابلس في عام 2011.

بروز أدلة

وتظهر الملفات أن عملاء القذافي قاموا بتسجيل تحذير جهاز المخابرات البريطاني «أم آي 5» في سبتمبر عام 2006، بضرورة اتخاذ أجهزة الاستخبارات في البلدين الخطوات المناسبة لضمان عدم اكتشاف عملياتهما المشتركة «من قبل محامين أو منظمات تدافع عن حقوق الإنسان، أو وسائل الإعلام».

لكن محاولاتهم في إبقاء تلك النشاطات طي السرية فشلت فشلاً ذريعاً، كما تم إيقاف محاولات محامي الحكومة البريطانية التوصل إلى اتفاق بشان المطالبات بالتعويض عن الضرر من جانب 12 من معارضي القذافي (الذين يزعم أنهم خطفوا وتعرضوا للتعذيب)، وذلك من قبل القاضي إيروين في بريطانيا، الذي وصف المزاعم بأنها تنطوي «على اهتمام عام حقيقي».

في عام 2010، وعد رئيس الوزراء البريطاني ديفـــيد كاميرون بإجـــراء تحقيق قضـــــائي في أدلة برزت في المحكمة تفيد بأن كلاً من جهازي «أم آي 5» و«أم آي 6» متورطان في عملية سرية تشمل ترحيلاً قسرياً، وسوء معاملة، وتعذيباً، لمواطنين بريطانيين ومقيمين متهمين بالتخطيط لمـــؤامرات إرهابية. وتم التخلي عن التحقيق الذي أجراه القاضي السابق سير بيتر جيبسون، بعد ظهور أدلة تفيد بأن المنشقين الليبيين عبد الحكيم بلحاج وسامي السعدي تم اختطافهما وسلــــما إلـــى طرابلس في عملية مشتركة بين جهازي «أم آي 6» و«سي آي إيه».

وقد تم إرسال ملف بعمليتي الترحيل من قبل شرطة سكوتلاند يارد إلى النيابة العامة المستقلة التي تنظر بإحالة القضايا إلى المحاكم، وهذه وصفت المزاعم بأنها «معقدة» وتتطلب «دراسة متأنية». ومهما كان قرار النيابة العامة، فإن هناك الآن جملة من الأدلة لتبرير إجراء تحقيق قضائي مستقل في تلك النشاطات التي لم يجر حتى الآن وضع أحد تحت المساءلة بشأنها.

تفويض حكومي

بعد التخلي عن التحقيق الذي أجراه القاضي السابق بيتر جيبسون، حوّل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون التحقيق الجديد للجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية، الهيئة نفسها التي أخطأت سابقاً في التوصل إلى عدم وجود «أدلة تشير إلى أن الأجهزة البريطانية كانت متواطئة» في مثل هذه العمليات السرية.

ويذكر أن زير الخارجية البريطاني حينها جاك سترو، قال للنواب في ديسمبر 2005: «ببساطة ليست هناك حقيقة في المزاعم التي تفيد بأن المملكة المتحدة كانت متورطة في عمليات التسليم، ونقطة على السطر». ويصر مسؤولون حكوميون مصرون على عدم كشف هويتهم، يقولون إن جهاز «أم 16» كان يتبع «سياسة حكومية مخول بها وزاريا». وقال بلير إنه لا «يتذكر على الإطلاق» عمليات ترحيل سرية لكل من بلحاج والسعدي.