بعد أربع سنوات من الحكم الاستبدادي، ومنذ اندلاع أحداث الربيع العربي، تحولت دول الشرق الأوسط إلى مساحات ممتدة، لا حكومة تديرها ولا حكم يستطيع السيطرة عليها. والفراغ الذي خلفه غياب النظام في سوريا والعراق، ملأه العديد من التحركات متشددة الطابع. ولا تزال الحكومات الوطنية، مع ذلك، تحتفظ بالسيطرة وبسط السيادة على عواصمها.
أما في ليبيا فالوضع مختلف تماماً، حيث سيطرت الميليشيات على العاصمة طرابلس في أغسطس الماضي، وأنشأت مؤسسات سياسية موازية، مما أرغم مجلس النواب الليبي المعترف به دولياً على الانتقال إلى مدينة طبرق شرقي البلاد. وتوجد، منذ ذلك الحين، في ليبيا حكومتان، كل منهما تدّعي السيادة.
مقاربات مغلوطة
وعمد المصرف المركزي في ليبيا، حرصاً منه على مبدأ الحيادية، إلى دفع رواتب عناصر الميليشيات والبيروقراطيين المنضوين تحت لواء كلا القطبين المتنازعين. وقد علق هؤلاء الآمال، لشهور طوال، على تحقيق نصر حاسم، والسيطرة على مخزون البلاد الهائل من النفط.
لكن في ظل تضاؤل هذا الاحتمال، وارتفاع تكلفة الصراع المستمر، التقى المعتدلون من الطرفين لعقد محادثات سلام في جنيف. وأدت التطورات على طاولة الحوار إلى اتفاقية وقف إطلاق نار.
بنى الغرب مقاربته حول أزمة ليبيا، على سيناريو مفرط التبسيط، يتلخص بوجود حكومة شرعية مناهضة للتشدد في طبرق بمواجهة حكومة متشددة أخرى مقرها طرابلس. وتساهم هذه المقاربة في حجب الواقع، الذي يقول إن الجهات التي تمسك بزمام السلطة في ليبيا قوامها قادة محليون وعناصر ميليشا، وليس سياسيين.
وقد انحدر مستوى القتال إلى كراهية متعادلة بين الطرفين لا علاقة لها بالدين، بل في محاولة كل منهما تدمير البنى التحتية الرئيسية للآخر. وفي المقابل، حث رجال الأعمال، وقادة المجتمع المدني ممثليهم السياسيين والميليشيا على تبني الحوار، الذي رفضه بعض السياسيين المتعنتين، مما أدى إلى تجاهلهم.
يتعين على المفاوضات المقبلة ألا تقتصر على البرلمانيين المتخاصمين، ويجب أن تجمع طاولة الحوار بين قادة الميليشيات، والمجتمع المدني من مختلف التكتلات القبلية، والإقليمية الساعية لإنقاذ ليبيا من الدمار، والعمل في الوقت عينه على ضمان موقع لها في التسوية ما بعد النزاع.
أهمية المحادثات
تعلم جميع الأطراف الليبية ما تمثله هذه المحادثات من فرصة أخيرة لإيجاد حل غير عسكري، يؤدي الفشل في التوصل إليه إلى انقسام البلاد، واستئناف المعارك للسيطرة على الموارد، بحدة أكبر. وهدد ماتيو رينزي رئيس وزراء إيطاليا أنه في حال حصول ذلك، فستعمل بلاده على فرض قوات حفظ الأمن في ليبيا. أبدت حكومات الغرب تردداً في الاعتراف بمضاعفات قرار المحكمة الليبية العليا، لأن معظمها يشجع سراً حكومة طبرق إما لإعادة احتلال البلاد، أو للسيطرة على حكومة الوحدة الوطنية.
من جهة أخرى، عجز الغرب عن أداء دور محايد، وتعزيز التسوية بفعل اعترافه بحكومة طبرق كسلطة وحيدة في ليبيا. ويأتي ذلك بموازاة دعم أميركا وأوروبا وبعض الدول العربية العسكري لحكومة طبرق لهزيمة جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، مقابل تلقي الخصوم دعماً هائلاً من دول عربية أخرى دعماً لانتصار الجماعة.
ولاتزال هناك إمكانية أمام دول الغرب لسحب اعترافها رسمياً بمجلس النواب على ضوء قرار المحكمة العليا. ينبغي عليها أن توضح أنها لن تعترف بأي سلطة في ليبيا إذا فشلت المحادثات في إنتاج حكومة وحدة وطنية تلتزم استكمال العملية الدستورية. كما يتوجب عليها أن تتخذ خطوات حاسمة تمنع بموجبها التدخل الخارجي، بينما تدعو الجهات الخارجية الراعية للطرفين إلى طاولة الحوار.
ستواجه الأطراف المتقاتلة، في ظل تراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها تاريخياً، ومع وقف الدعم الخارجي، حوافز تدفعها للتسوية.
ويخطىء النقاد كثيراً في اعتبار أن سحب الاعتراف بمجلس النواب سيشكل مكافأة لميلشيات طرابلس، أو حافزاً للمتشددين لإفشال المحادثات. إن تعهد الغرب بعدم الاعتراف إلا بحكومة تلتزم حكم الدستور، يقضي على حلم المتشددين بالسيطرة على ليبيا، ومقدراتها.
تدور الحرب في ليبيا على الجشع والانتقام، ولا علاقة لها بالدين أو الإيديولوجيا. إذا أوقف الغرب دعمه الملموس للطرفين، ومنع بحسم اللاعبين الإقليميين من مساعدة عملائهم في الداخل، فقد يتمكن من سدّ إمدادات المال والسلاح المتحكمة بمسار الصراع في ليبيا.
إعادة نظر
إذا أراد المجتمع الدولي منح طرفي النزاع في ليبيا الحوافز المناسبة للتوصل إلى اتفاق دائم، فينبغي على ديمقراطيات الغرب أن تعيد النظر في المنطق الكامن وراء سياساتها في المنطقة. ويشكل قرار المحكمة العليا الليبية الصادر في 6 نوفمبر 2014 الذريعة الأمثل.
ونص القرار على أن التعديل الدستوري، الذي أدى إلى تشكيل مجلس النواب، غير صالح من الناحية الإجرائية، وأن انتخابات يونيو 2014 ما كان يجب أن تحصل، وبالتالي فإن الهيئة الناجمة عنها لا يمكن أن تتمتع بالسيادة.
بالكاد أصدرت الدول الغربية رداً على القرار، مكتفيةً بالإشارة إلى أنها تدرسه، وأن حكم المحكمة قد أتى بالإكراه. إلا أن ضغط المليشيات على المحكمة لا يبطل بالضرورة رأيها التي انتقت التعبير عنه بدقة، حين أعلنت أنه لا البرلمان ولا منافسوه، ولا مجلس النواب المنتهية ولايته، يتمتعون بسلطة لحكم البلاد.
