لطالما كانت ألمانيا بلد التناقضات، وتميزت بالتبادل الثقافي على أعلى المستويات، وها هي اليوم تشكل مهد مناهضة الأسلمة، في حركة تتبلور لتغدو واحدا من أخطر التطورات المثيرة للقلق في أوروبا.

تزايد الاهتمام، أخيراً، بحركة الوطنيين الأوروبيين ضد أسلمة الغرب، المعروفة اختصاراً باسم «بيغيدا»، سيما في أعقاب الاعتداءات الإرهابية التي طالت باريس. وسجلت الحركة في آخر تظاهرة أسبوعية لها رقماً قياسياً بلغ 25 ألف متظاهر، في حين لا يعرف أحد إلام ستنتهي تظاهراتها المقبلة.

ولا تتمحور حركة «بيغيدا» السياسية المتطرفة حول الإسلام المتشدد، بل تختزن سخطاً أوسع نطاقاً حيال مسائل الهجرة والاقتصاد، وسياسة أوروبا ككل. وعلى الرغم أن معظم أنحاء القارة تتصدى لتلك المخاوف المتمثلة ببروز الأحزاب الشعبوية، فقد أجبرت مدينة دريسدن، ألمانيا على مواجهة ضائقتها الداخلية للمرة الأولى، وأدت إلى ظهور خطابات مكبوتة منذ وقت طويل في ألمانيا. وهي تخشى، في ظل ردود الفعل العنيفة ضد المسلمين عقب اعتداء باريس، من تفشي السلالات الخبيثة لمشاعر معاداة الهجرة. وعلى حد قول فرانك ريختر، مدير الوكالة الإقليمية للتربية السياسية، فإن «الخوف من الإسلام لا يؤدي دوراً رئيساً، بل هو مجرد شعار».

إذا نظرنا إلى الدوافع التي تسير حركة «بيغيدا»، ندرك أن المشاعر المعلنة ضد أسلمة ألمانيا قد بدأت تتخذ شكلها في أكتوبر الماضي، عبر صفحة على موقع فيسبوك، ومن خلال مخاوف حيال اللاجئين الوافدين إلى ولاية ساكسونيا الألمانية، وعاصمتها دريسدن. وقد أدت ألمانيا دوراً طليعياً في أوروبا من حيث استقبال اللاجئين والأجانب، في خطوة يصفها القادة بأنها لا بد منها، بالنسبة لدولة قيادية، ناضجة، وقوية اقتصادياً في أوروبا.

وجد الكثيرون في بيغيدا متنفساً يُسمعون من خلاله صوتهم، وتميزت التظاهرة الأخيرة بحضور واسع للذكور من مختلف الأعمار، يرون في الحركة الوسيلة الحقيقية الأولى للتعبير عن مشاعر مكبوتة منذ زمن. وقد استخف المسؤولون الاتحاديون في برلين بالحركة، باعتبار أنها مجرد ظاهرة جغرافية لا أكثر. وعمدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بعد يوم واحد على تظاهرة بيغيدا، إلى النزول مع الجماهير في مسيرة موحدة عمّت شوارع برلين، حداداً على ضحايا الاعتداء الإرهابي في باريس. تتمتع دريسدن ببعض الخاصيات التاريخية، التي منحت حركة بيغيدا مركزاً وطيداً، بدءاً بموقعها الجغرافي، الذي تركها مع تراث من العزلة. وقالت كورينا هوهنشتاين، فنية الطوارئ الطبية، التي تعيش في بلدة قريبة من دريسدن: الناس يخشون ما هو جديد، لكن مخاوفهم حقيقية.

يهرع مسؤولو المدينة في الوقت الراهن إلى إنهاء حالة الانقسامات المتفاقمة. ويتزايد عدد المناهضين للمحتجين، الذين يفترشون الشوارع منددين بحركة بيغيدا. وقد قام عدد من أنصار اليسار المتطرف بمحاولة فاشلة هدفت إلى صد المتظاهرين، عبر تشكيل سلسلة بشرية أطلقت هتافات مرحبة باللاجئين.

وقد عرض ريختر التوسط بين بيغيدا والسياسيين البارزين، في حين تحركت المؤسسات الثقافية مبديةً امتعاض البعض من رسائل الكراهية، التي عكسها أحد شعارات المحتجين القائلة التعددية الثقافية قاتلة. وقالت أندريا أوبراين، المديرة الإدارية لبيت الأدب في دريسدن، كما لمتحف إريك كاستنر، إن بعض مناصري حركة بيغيدا قد سئموا من الوضع، إلا أن ردهم هو أسوأ الممكن، سيما أنه يستغل الأقلية للتعبير عن مشاعره الغاضبة من سياسة ألمانيا الداخلية. وأضافت أوبراين قائلةً: آمل أن تبدأ دريسدن بالتحدث عن المعاني الحقيقية للمجتمع العالمي.

مخاوف وغضب

على الرغم من أن مساهمة دريسدن في احتضان اللاجئين جاءت متواضعة، إلا أن المدينة ردّت بقوة على موقف برلين، وأعرب الكثيرون عن خشيتهم من أن يسفر قدوم اللاجئين عن انتشار الجريمة والمخدرات، وإرهاق الأجهزة الحكومية، وظهور ممارسات متشددة تتضارب مع القيم الأوروبية. وقالوا إن أكثر ما يغضبهم هو أن أحداً لم يأخذ برأيهم حول سياسة استقبال اللاجئين.