هناك الكثير من الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من الفوز الذي حققته مجموعة صغيرة، إنما مصممة من الأكراد في بلدة عين العرب، أو كوباني السورية الحدودية. لقد تمكن المقاتلون الأكراد، أخيراً، من دحر عناصر تنظيم «داعش» من كردستان السورية، أو كما يسمونها منطقة روجافا الواقعة شمال شرقي سوريا.

وكانت بلدة عين العرب قد خضعت للحصار قبل أربعة أشهر على يد تنظيم «داعش»، وبات مصيرها مجهولاً، في ظل ترقّب أبنائها تعرضهم للمجازر عينها التي ارتكبها «الداعشيون» في أماكن أخرى متفرقة. إلا أن أكراد سوريا أثبتوا مدى مقاومتهم، وقضوا على هالة التنظيم، وصيت عدم انكساره وهزيمته.

وأكد مقاتلو حزب الاتحاد الديمقراطي الحاكم في كردستان السورية، بفوزهم على «داعش»، أمرين. أولاً، أنه يمكن احتواء التنظيم، وهزيمته ميدانياً. ثانياً، أنه يمكن تحقيق الفوز من خلال انتشار القوى المحلية على الأرض، ودعم القوات العسكرية الجوية الغربية، من دون الحاجة إلى نشر قوات مشاة دولية غربية.

ويترتب على بروز حزب الاتحاد الديمقراطي الحاكم في كردستان السورية مضاعفات تلقي بثقلها على مستقبل الصراع والسياسة الغربية إزاءه.

لقد أوهنت أحداث الربيع العربي والصراع في سوريا حلفاء الغرب التقليديين في المنطقة، ويعني ذلك أنه على الغرب أن يتخذ القرار بشأن انخراطه الكامل ودعمه للاعبين من غير الدول كحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، أو الانتظار ريثما تقوم دول أخرى، يؤخذ عليها التزامها إطاحة نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أكثر منه هزيمة «داعش»، ترجيح كفة الميزان ضد التنظيم.

إلا أن ذلك سيشكل خطأ في الحسابات، حيث لا يمكن للغرب التريث بانتظار أن تقرر بعض الدول موقفها من الحرب ضد «داعش»، في ضوء التهديد المحدق الذي يشكله على المجتمع الدولي برمته. ولا يأتي فوز حزب الاتحاد الديمقراطي نتيجة الدعم الإقليمي الذي منع المقاتلين والعتاد من الوصول إلى عين العرب، بل العكس.

لقد أثبت حزب الاتحاد الديمقراطي، إضافة إلى أكراد العراق، أنهم حلفاء أشداء في الحرب ضد «داعش». إلا أنهم بحاجة إلى الدعم والتعزيزات الدائمة، كما أنهم يحتاجون إلى بساط من الشرعية، وإطار عمل أشمل يتيح نشوء حياة سياسية وديمقراطية في كردستان السورية، لا سيما شرعية يتم دعمها، والاعتراف بها على مستوى دولي. ومن شأن ذلك أن يدعم جهود قتال «داعش»..

حيث يشكل الحفاظ على حقوق ومستقبل أكراد سوريا ومنحهم الضمانات حافزاً لوضعهم على خط الائتلاف الأشمل المناهض للتنظيم. كما يضمن تحقيق فوز واحد محتم على الأقل، على الجبهة السورية، وانضمام شريك جيواستراتيجي قادر على الاستمرار في المستقبل.

يتعلق الأمر برمته بتأثير الغرب في المنطقة ميدانياً. إذا كان المجتمع الدولي، والتحالف المناهض لتنظيم «داعش» الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، حالياً، جادين بشأن القضاء على «داعش» وهزيمته، فإن عليهما البدء بتبني سياسات مبتكرة وواقعية تشكل تحرراً من أعباء الماضي، كما من اللاعبين الإقليميين الذين وقفوا منذ زمن بعيد، حجر عثرة في طريق مجابهة الراديكالية والتشدد، والتخلص منهما.

عناصر الفوز

حقق أكراد سوريا الانتصار في المعركة ضد «داعش» بسبب تنظيمهم الحسن، وهيكلية القيادة المناسبة، والقوات القتالية المدربة. وهذه عناصر مهمة لأنهم استطاعوا من خلالها طرد مقاتلي «داعش» بمصادر وأساليب تقل كثيراً عن تلك التي اعتمدها نظراؤهم العرب، وقوات الرئيس السوري بشار الأسد في مناطق أخرى من الدولة، وكذلك نظراؤهم الأكراد في كردستان العراق.