يرجع الإرهاق الفكري بغالبيته في تركيا، إلى السياسة المتبعة حالياً. وقد اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وطاقمه الحاكم، اتباع استراتيجية خلافية تؤثر النزعة العدائية على التسوية، وانتهج سياسة ازدواجية حيال ثقافة التعايش في البلاد. وباتت أتفه المسائل وأكثرها عبثية، مثل السؤال عما إذا كانت سائقات السيارات الحمراء في تركيا يؤيدن المعارضة، تثير نقاشات محمومة في الأوساط التركية.

ويصل الإرهاق السياسي إلى مرحلة عدم الاحتمال في صفوف المفكرين الليبراليين، والنساء على وجه التحديد. لا يشكل الليبراليون شريحةً واسعة من الأتراك، إلا أنهم يعتبرون مقياساً هاماً لتحديد المسار السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم. حين وصل الحزب إلى سدة الحكم عام 2002، كان الليبراليون من الداعمين له، لا سيما أنه نادى بالإصلاحات، ودعا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكان يتوقع منه تعزيز الحريات المدنية. لكن انحرافه نحو الدكتاتورية أبعد الليبراليين عنه، فالتزم بعضهم الصمت، فيما أعلن البعض الآخر معارضته الشديدة له.

وتزداد في أوساط النساء غير المحافظات في تركيا، مخاوف من تدخل حزب العدالة والتنمية في حياتهن الخاصة. وقد انطلقت مظاهرات احتجاجية في البلاد، عقب الحملة الإيديولوجية الهادفة لحصر مجتمع النساء بالدور التقليدي المنسوب إليه. وحين برز الحديث عن الحاجة لحركة نسوية مستقلة لردم هوة الانقسامات السياسية، صرحت بعض المجتمعات المحافظة، أنه يصعب العمل مع المؤيدين للمساواة بين الجنسين، نظراً لتجاهل مصالحهن في السابق.

ويبقى الإحساس بالإرهاق صاحب اليد الطولى. ولا تزال الهوة بين تركيا والغرب تتسع. وإن لم يتمكن الأتراك من معانقة نماذج المجتمعات الحرة، والنقاش المنفتح، والثقافة التعددية، والمساواة بين الجنسين، فلن يكون ذلك فشلاً للديمقراطية وحسب، بل انكساراً للحلم والإرادة.