اتخذ الفلسطينيون، أخيراً، قرار الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية، التي يسعون من خلالها لفرض عقوبات قانونية ضد إسرائيل جزاء الجرائم التي ارتكبتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن هذا القرار قد يترتب عليه دفع أثمان باهظة.

وجاء الرد الإسرائيلي الأولي على القرار الفلسطيني بتجميد تحويل 127 مليون دولار هي قيمة عائدات الضرائب، التي تجبيها بالنيابة عن السلطة الفلسطينية، وتعادل تقريباً قيمة رواتب موظفيها. كما أنها هددت باتخاذ المزيد من الإجراءات العقابية، التي تنطوي على المخاطرة بما يزيد على 400 مليون دولار، قيمة المساعدات الأميركية السنوية في حال مضت السلطة الفلسطينية باتباع مسار المحكمة الدولية.

إلا أن تلك التهديدات لم تحرك للقيادة الفلسطينية ساكناً، حيث قال حسام زملط، المستشار الأعلى للسياسة الخارجية لحركة فتح: « إن ردع جندي إسرائيلي واحد عن قتل طفل فلسطيني، يستحق كل فلس، وكل معاناة، وكل حرمان من الرواتب. فقضيتنا الأساسية هنا تدور حول الوضع الراهن والاحتلال الإسرائيلي».

وتكمن القضية بالنسبة للفلسطينيين في السبيل الأفضل لإنشاء دولة مستقلة، وحماية حقوقهم، بعد 21 سنة من المفاوضات العاجزة عن وضع حد لعقود من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ويصف القادة الفلسطينيون الانضمام للمحكمة كضرورة لصون حقوق الشعب الفلسطيني المنزوعة بفعل الاحتلال الإسرائيلي.

إلا أن إسرائيل تنظر للخطوة على أنها أحادية الطابع، وتقوض احتمالات السلام. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد عقدت سلسلة من اللقاءات للبحث في المزيد من الردود الانتقامية على الخطوة، وقد انطوت سابقاً على تسريع وتيرة هدم منازل الفلسطينيين، وتعليق العمل على المستندات التي تضمن إعادة لم شمل العائلات الفلسطينية، وسحب تأشيرات الشخصيات المهمة، التي تسهل انتقال السياسيين ورجال الأعمال الفلسطينيين.

وسادت أجواء من القبول على نطاق واسع بانضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، منذ الاعتراف الذي حازت عليه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نوفمبر 2012. إلا أن إسرائيل والولايات المتحدة قد حذرتا من أن الاعتراف بفلسطين قد يتخطى الخطوط الحمر. ولم يترك فشل محادثات السلام بوساطة أميركية، أخيراً، أمام الفلسطينيين سوى خيار طلب الشرعية الدولية، والحماية القانونية لقضيتهم.

وينظر الكثيرون إلى قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالتماس مساعدة المحكمة الجنائية الدولية على أنه مزيج من فقدان الثقة بأميركا كوسيط للسلام، وارتفاع وتيرة الضغوط الداخلية. ويعتبر بعض القادة الفلسطينيين أنه، في ظل وصول حدة التوترات الفلسطينية الإسرائيلية إلى أعلى مستوياتها منذ الانتفاضة الثانية، من الخطر السماح باستمرار الوضع الراهن لفترة أطول. وباستثناء العودة إلى العنف المسلح، وفق ما تطالب به حركة حماس، فإن الإجراءات القانونية الدولية هي الخيار الوحيد المتبقي. وفي حين تقول إسرائيل إن الخطوة تقوض عملية السلام، يعتبر الفلسطينيون أنها توفر، بإلحاح، الدليل الضروري الذي يثبت أن مطامحهم يمكن تحقيقها من دون اللجوء للعنف.

قد تتسبب الخطوة بالأذى الاقتصادي لفلسطين، لا سيما في ظل تجميد واشنطن للمساعدات الدولية، لكن المبالغ يمكن تعويضها من مصادر أخرى. وقد التزمت جامعة الدول العربية بإرسال 100 مليون دولار للسلطة الفلسطينية إذا امتنعت إسرائيل عن تحويل عائدات الضرائب، في حين تدخلت بعض الدول العربية الأخرى للحفاظ على استمرارية السلطة الفلسطينية.

استكمال الاعتراف

يذكر أن الفوز الفلسطيني في المحكمة الجنائية الدولية ليس بالأمر الوشيك، إذ يقتضي أولاً اعتراف المحكمة بفلسطين كدولة، وموافقة مكتب المدعي العام على إجراء تحقيقات في قضايا يتقدم بها الجانب الفلسطيني، علماً بأن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أكد أن فلسطين ستنضم إلى المحكمة الجنائية مطلع إبريل المقبل.