ظهر، أخيراً، فيديو جديد لتنظيم «داعش» يحمل بوضوح بصماته التصويرية والتقنية النموذجية لفيلم من إنتاجه، إلا أن المقاطع المصورة عرضت بدلاً من الدعاية المعتادة للتنظيم صورة رهينتين، عبارة عن جاسوسين تم القبض عليهما، وإجبارهما على الاعتراف باختراق صفوف التنظيم. ويزعم «داعش» أن الرجلين قد اخترقا صفوفه بطلبٍ من جهاز الأمن الاتحادي الروسي.

وأكدت أوساط التنظيم أنه بدلاً من أي يقوم الجاسوسان بعملية استخبارية ناجحة، تم كشف أمرهما، واعترفا بهويتهما، وأصولهما، والعمليات التي قاما بها. أحد هذين الرجلين كان كازاخستاني الجنسية.

إلا أن الخطوة التي تلت الاعتراف كانت من أكثر اللحظات المريعة التي يتم تصويرها في أفلام التنظيم. بدلاً من عمليات الإعدام بقطع الرؤوس التي باتت معروفة، قام أحد «الداعشيين» بالتعريف عن صبي لا يمكن أن يكون قد تجاوز الإثني عشر عاماً، ينتمي إلى إحدى الإثنيات الكازاخستانية، كان قد ظهر في فيلم فيديو سابق منفصل في أواخر العام 2014. رفع الصبي مسدساً، وصوب رصاصتين إلى رأسي الرجلين الجاسوسين الجاثمين، كل على ركبتيه، وأطلق النار، فوقعا قتيلين على يد مقاتل طفل تعرض لغسل دماغ على يد «داعشيين» ساعين لتأسيس دولتهم.

لكن حتى لو لم تكن المخططات على ما تبدو عليه بالفعل، أي حتى لو تبين أنها مجرد حيلة زائفة، ستبقى الارتدادات كما هي. وفي آسيا الوسطى يمكن للارتدادات أن تكون عميقة الأثر.

يمكن لنا أن ننظر إلى الشهور القليلة الماضية كمؤشر على الشكل الذي يمكن أن تتخذه تلك الارتدادات بشكل محتمل. فبعد ظهور الفيديو الأوّلي للتنظيم منذ فترة قصيرة، حيث ظهر عشرات الأولاد الكازاخستانيين يدرسون تحت إشراف عناصر من «داعش»، سارعت كازاخستان إلى حجب المنافذ المرتبطة بعرض الرواية. كما قامت أساتانا، على الأرجح، بالضغط على قرغيزستان لقمع المنافذ التي تبث الفيديو، ما زاد من تقويض ديمقراطية العاصمة بيشكك.

وكانت حملة التخويف من تهديد تنظيم «داعش» للمنطقة قد وصلت إلى أوجها، في الشهور الأخيرة. ورفع المسؤولون في قرغيزستان من تقديراتهم حول أعداد المواطنين المنضمين إلى التنظيم، لتصل إلى 50 في المئة. وواصلت طاجيكستان ملاحقة الأفراد الذين تدعي أنهم يساعدون في جهود التجنيد.

واستثمرت موسكو فرط حالة الرعب في نشر تعزيزات أمنية جديدة في المنطقة، وحاولت استعادة مكانتها المتقلصة منذ سنوات. يشكل تنظيم «داعش» مصدر تخويف مناسب للأوتوقراطيات الهرمة في المنطقة، والتي تسعى إلى تحصين موقعها، وإحكام قبضتها الخانقة للأصوات المعارضة المحتملة. سلطت أفلام الفيديو الحديثة الضوء على حقيقة بعض المخاوف. فالمواطنون من آسيا الوسطى قد انخرطوا في صفوف «داعش»، علماً أن الأرقام ليست مؤكدة. لكن مما لا شك فيه أن هناك حضوراً واضحاً لآسيا الوسطى في أوساط التنظيم.

ولا تحمل الفكرة القائلة إن «داعش» يشكل نوعاً من التهديد القائم لأنظمة المنطقة، ثقلاً حقيقياً. لاتزال آسيا الوسطى إحدى أكبر المساحات العلمانية في العالم، ذات الأكثرية المسلمة. وسيسهم الفيديو المنشور بالتخفيف من جاذبية التنظيم، فالإعدامات بحق الأطفال، ومشاهد القتل الهمجية التي تنفذ أمام أعينهم تشكل رادعاً أكثر منها جاذباً لغالبية سكان آسيا الوسطى.

لسوء الحظ، لن ترى الحكومة والمسؤولون الأمنيون في روسيا، وآسيا الوسطى الفيديو من هذا المنظار، وبدلاً من تقديم أي نوع من الردود الواقعية، ستواصل الحكومات الترويج لوجود التهديد وفق ما يتناسب مع غاياتها الخاصة، بعد أن أمنت لها مادة أخرى ترميها للناس ليتلهوا بها.

رهن الشك

لا توجد أي طريقة يمكن من خلالها تأكيد ما إذا كان الرجلان جاسوسين فعلاً، أو عنصرين استخباريين، أو أن تكون أي من المزاعم تحمل الحقيقة في طياتها. هناك في الواقع، العديد من الأصوات الداعية إلى التحقق من صحة الفيديو برمته، نظراً لغياب صوت إطلاق النار من المسدس، وعدم ظهور الدماء على الضحيتين.