لا تنفك الطبقة السياسية في روسيا تزعم أن الجمهوريات السوفييتية السابقة تحتل أولوية سياسية خارجية لديها. وتكرس موسكو اهتماماً بالغاً، وتنفق أموالاً طائلة لضمان بقاء اتحاد الدول المستقلة، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، واتحاد الجمارك الأوراسي، إلا أن ذلك لا يسهم إلا في زيادة التساؤلات حول الجدوى الفعلية، التي يؤمنها هذا للدول الأعضاء.

على مستوى التحالفات السياسية، من المعروف تماماً أن اتحاد الدول المستقلة يعتبر أساساً أحد أشكال «الطلاق المتحضر» بين الجمهوريات السوفييتية السابقة، في حين أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي هي منظمة اختيارية تأسست بأهداف واضحة على ما يبدو، لكن أين كانت تلك المنظمة، حين شارفت قرغيزستان على السقوط في حرب أهلية عام 2010؟ هل صاغ الدول الأعضاء أو اتفقوا على موقف موحد من الأزمة؟ كلا، فقد نشرت روسيا قواتها في أوسيتيا عام 2008، وضمت القرم عام 2014، فهل تحدث أي من الحلفاء رسمياً عن تلك التغييرات؟ وهل اتخذت الدول الأعضاء موقفاً موحداً من أزمة أوكرانيا؟ كلا مجدداً.

في الواقع، تزداد حدة التجاذبات بين الجمهوريات السوفييتية السابقة، وأي نوع من التحالفات يمكن توقعها في ظل تقاتل الدول الأعضاء في ما بينهم؟ لدى الغرب أهداف وقيم مشتركة، وآليات عمل يطبقها في العالم، لكن ما المقومات التي قد تجعل روسيا تتحد مع حلفاء محتملين سوى الخوف الغامض من العالم الخارجي؟

أما وضع الاتحادات الاقتصادية لا يبدو أكثر إقناعاً، علماً بأن أي نوع من التكامل يفترض تنازلات وتسويات معينة من جانب المبادرين، قبل جني المكاسب.

إذا أرادت روسيا أن تأخذ على عاتقها تعزيز أواصر الجمهوريات في مهمة صعبة، إنما ممكنة عملياً، عليها أن تفكر في الأيديولوجيات والقيم، التي تحكم جوهر المشروع. كما عليها أن تتأمل في كيفية تحسين فعالية النظام الاقتصادي الروسي في وضعه الراهن، إذ إن التكامل يبنى على تخطي التاريخ، وليس إعادة صياغته، وإلا ستكون النتيجة حالة من الإحباط، كما هو واقع المسؤولين الروس وشركائهم المفترضين.