توجد في مكان ما على لائحة التهديدات مجموعة صغيرة من المقاتلين البريطانيين الساعين إلى قتل مواطنيهم، ويصنّف هذا التهديد بالمجهول كلاسيكياً، علماً بأنه محتمل الوقوع. أما على صعيد ملموس أكثر، فهناك خطر قادم من روسيا، حيث زاد عدد الحوادث العسكرية بينها وبين قوى الغرب على أربعين حادثاً خطراً، انطوت على «انتهاكات للمجال الجوي الوطني، وتزاحم حالات الطوارئ، واحتمالات حوادث الارتطام الجوي، ومواجهات بحرية، وهجمات صورية، وأعمال خطرة أخرى» وفقاً لما ذكرته شبكة القيادة الأوروبية.
ويكمن الخطر الفعلي في أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يحاول أن يبدو بطريقة ما، كرئيس الاتحاد السوفييتي السابق ليونيد بريجنيف، يستخدم الدبلوماسية والدعاية، ويمارس الضغط الاقتصادي ليجعل من السياسة الخارجية العامة للاتحاد الأوروبي مجرد حبر على ورق، ومن ضمانات منظمة «ناتو» الأمنية للبلدان الواقعة على خاصرتها الشرقية فارغة.
هناك أيضاً عدد من التهديدات الأخرى، التي ما عاد يتم ترتيبها وفق التصنيف التقليدي مقابل غير التقليدي، حيث كشف عام 2014 بوضوح قوة الحرب الإلكترونية: ما زال بعض أقسام شركة سوني يلجأ إلى البريد الإلكتروني الخاص للموظفين لتسيير أعمالها، بعد أن انهارت أنظمة الشركة الإعلامية العملاقة بفعل الهجوم السيبراني، الذي حجب فيلم «المقابلة» عن شاشات دور السينما الأميركية مؤقتا. وإن كانت كوريا الشمالية وراء ذلك، كما يزعم، فإن المحاربين السيبرانيين قد تركوا أثراً كان ليفتخر به مارشال الاتحاد السوفييتي الأسبق ميخائيل توخاتشيفسكي، صاحب مقولة «هاجموا العدو في عمق تركيبته».
وينبغي على مؤسسات الدفاع البريطانية اليائسة أن تضع مراجعةً أمنية واستراتيجية دفاعية تستند إلى هذا الواقع تحديداً. وتميزت المراجعة الأخيرة، التي وضعتها عام 2010، بالجهد الشجاع لفرض اقتران فلسفي الطابع على السياسات، والالتزامات والمشاريع، التي أصبحت مكرسة لذاتها، وخالية من أي معنى استراتيجي، وغير مستديمة على الصعيد المالي. أي أنها كانت فاشلة.
وانحصرت المشكلة عام 2010 بأمرين اثنين هما: الحفاظ على قدرة بريطانيا في شن الحملات الحربية، كما في جزر فوكلاند، والعراق وأفغانستان، وتعزيز الغاية الاستراتيجية للقوات المسلحة، لتتمكن من الادعاء بأنها قوة عالمية.
وتم منذ ذلك الحين، اقتطاع الإنفاق الدفاعي بنسبة ثمانية في المئة تقريباً، في حين تم الحفاظ على الالتزامات المكلفة بتصنيع العتاد العسكري المهيب. وقد سبق للمسؤولين العسكريين أن قالوا إن خطط التحديث الحالية تتعرض لخطر الاقتطاعات. إلا أن تلك مشكلة بسيطة مقارنةً بطبيعة التهديدات المتغيرة.
وإذا نظرنا إلى المقلب الآخر، نرى صورة انهيار مشابه في القرم وشرقي أوكرانيا، لكنه هذه المرة انهيار في التماسك. شجعت الدبلوماسية الأميركية احتجاجات الميدان الأوروبي، وهللت لسقوط الحكومة الموالية لروسيا في أوكرانيا، إلا أنها عجزت عن تقديم إجابات عندما ضم بوتين القرم لروسيا، وأرسل جنوده لتحويل شرق أوكرانيا لساحة حرب.
وتمثل المظهر الثالث ليأس الاستراتيجية الغربية في ويستمنستر، حيث نجحت الثورة بقيادة حزب العمال بحجب موافقة البرلمان على التدخل في سوريا.
ومراجعة هذا العام لن تبدأ قبل انتهاء الانتخابات البريطانية، إلا أنها يجب أن تكون هذه المرة مراجعة استراتيجية، كانت لتنتظر في ظروف مثالية معرفة ما إذا كانت بريطانيا ستبقى في الاتحاد الأوروبي أم لا.
