تضمن أحد الخطابات اللافتة للرئيس الأميركي باراك أوباما عبارة لافتة تميزت بتهكمها البلاغي، ومفادها: «على أميركا أن تبتعد عن البقاء في حالة التأهب للقتال على الدوام». وقد انتصرت تلك العبارة للكلام الخطابي على حساب التجربة العملية.

أتى تعهد أوباما بوقف الممارسات الحربية في ذلك الوقت، بعد نحو ثلاثة أسابيع على سقوط الفالوجة بيد تنظيم «داعش»، لتنضم إليها الموصل في يونيو 2014. وتسلح ما يسمى بالجهاد العالمي، وأبو بكر البغدادي بقضية بناء «دولة داعشية» لحشد المناصرين، وهم يسيطرون بشكل غير مسبوق على عدد من المناطق والموارد. كما أنهم يتمتعون بدفق من المنضمين الغربيين، الذين يتمتعون بحرية السفر من منطقة الشرق الأوسط وإليها. وينطوي الواقع على سباق خطير بين تنظيمي «داعش» و«القاعدة»، حيث تشكل الأعمال الإرهابية مصدراً لكسب ثقة الشارع.

الإصرار على النهج

جاء رد فعل أوباما على كل ذلك متحفظاً، كالعادة، سيما وأن أحداث العالم قد أحبطته كثيراً ولم تعلمه سوى القليل، على ما يبدو. وبدا في كل إشارة أرسلها، أخيراً، بدءاً من العجز عن إبداء رد فعل رمزي مناسب على اعتداءات باريس، وصولاً إلى أدائه الملتبس والضعيف إزاء رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، وكأنه يقول: لن أكرر مشهد الانفعال الزائد للرئيس الأميركي السابق جورج بوش حيال الإرهاب، بما يسهم في تذكية التشدد.

إذاً، حرص أوباما على التوضيح بأن الإرهاب لا يشكل «تهديداً وجودياً»، وقال: «إن القوة الاستخبارية والعسكرية لن تتمكن، بمفردها، من حل هذه المشكلة». كما حث الأوروبيين على «ألا يستجيبوا بالعنف فقط». لقد قطع العالم شوطاً كبيراً منذ حض أوباما الفرنسيين، بتباهٍ، على كبح غرائزهم القتالية.

ويعتبر أوباما محقاً في التمييز بين «جماعات الموت المتعصبة» والإسلام، وأن المساواة بين الاثنين لا تعتبر خطأ في الجوهر وحسب، بل هي ضرب من الجنون على المستوى الاستراتيجي. فما من رئيس يستطيع أن ينتقد المعتقد الديني للملايين من أبناء شعبه، سيما حين يشكل إيمانهم ضرورة لعزل الراديكالية الموصومة بالعنف. وتعتمد أي حرب ضد الإرهاب على حسن العلاقات مع الحلفاء المسلمين، الذين يتمركزون في خطوط المواجهة الأمامية. فالإسلام ليس مرادفاً للتشدد والعنف، ولا بد من إقامة هذا التمييز للفوز في الحرب على الإرهاب.

كذلك يعتبر أوباما محقاً في القول إن هذه الحرب تتطلب تتنوعاً في الاستراتيجيات غير العسكرية، كالدبلوماسية التي تجمع بين القوة السنية والشيعية في تحالف مناهض للإرهاب، والتنمية الاقتصادية، التي توفر الفرص للشباب، والحملات الإيديولوجية الفاعلة، التي تكافح التطرف والعنف.

المهمة الشاقة

لكن على الرغم من اعتماد كل تلك المحاذير تبقى المهمة تحمل طابع الصراع العالمي المسلح ذي الامتداد الزمني غير المحدد، وهي تنطوي على الحفاظ على هامش تكنولوجي لمراقبة اتصالات العناصر الإرهابية المحتملة. كما أنها تشمل أعمال تسليح، وتدريب، وإرشاد القوات بالوكالة لخوض المعارك، إضافةً إلى قتل أهداف بطائرات من دون طيار، ووجود قاذفات قنابل، وقوات تنفيذ عمليات خاصة.

لقد جاء بروز تنظيم «داعش» عام 2014، في ظل أجواء من الفراغ الحاصل على صعيد السيادة الوطنية والاهتمام الدولي، ما شكل مهمة بالغة الصعوبة والتعقيد بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. وقد تضمنت المهمة تشكيل أحلاف ثبت فيما مضى هشاشتها وعدم جدواها، واستعادة متأنية للمناطق المستولى عليها، وتفادي تسلل قدامى المقاتلين وهجمات المتعاطفين المحليين، والمساعدة على إعادة بناء ما يشبه الحكومة الشرعية في العراق، وهو أمر صعب، كما في سوريا، حيث الأمر أقرب إلى المستحيل.

لقد حاول أوباما بشتى الطرق إعلان الفوز على الإرهاب، أو ادعاء طي صفحة الحرب، لكن تمنياته لا تجعل الأمر حقيقةً. لم يسبق أن كان هناك حاجة، كما اليوم، لأن يظهر أوباما جوهر الحس القيادي لديه، ولو لتبرير استراتيجيته المعلنة في التخلص من النظام.