قال الرئيس الأميركي الأسبق كالفين كوليدج ذات مرةً: «إذا رأيت عشر مشكلات قادمة إليك، فاعلم أن تسعاً منها ستلاقي تصريفاً لها قبل الوصول إليك». وكنت تجد صورة كوليدج معلقة في غرفة الوزراء في عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان. ومن بين الترتيبات التي تجمع بين هذين الجمهوريين المحافظين، إصرارهما على البقاء خارج حروب الآخرين. لكن إذا تمعنّا في العام 2015، نرى أن هناك حروباً تتلهف قوى التدخل لدينا لخوضها، في قضايا لا تمثل أي تهديد محدق أو خطر لأميركا.
تنبه ومواجهة
إحدى تلك الحروب هي تلك التي يشنها تنظيم «داعش» على سوريا والعراق، وهو خطر قيل لنا إنه عظيم، وقد يستدعي تدخل قوات المشاة الأميركية. لكن السؤال هو لماذا؟ فسوريا والعراق يبعدان خمسة آلاف ميل عن أميركا، و«داعش» لا ينفك، بسبب همجيته وعدم كفاءته، يخسر الدعم في المناطق التي يستولي عليها حالياً.
عمل الأكراد على وقف تقدم «داعش» نحو اربيل في العراق، في حين أعاقت المجموعات الشيعية، المعادية لأميركا بالأساس، زحف التنظيم نحو بغداد. ويخضع «داعش» لمراقبة طائرات من دون طيار، وقصف جوي بتوقيع أميركا وحلفائها، في حين تعمل جهات أخرى على تأمين الرجال والعتاد لدمشق وبغداد لمقاتلة التنظيم. ويبدو أن تركيا وبعض الدول العربية قد بدأت تتنبه لتهديد «داعش» وتزن احتمالات مجابهته. فلماذا لا نترك هؤلاء يقاتلون حربهم؟
إلا أن الدفع الأكثر إصراراً على شن الحرب عام 2015 يأتي من المحافظين الجدد والجهات التدخلية الأميركية، التي تبغي حصول مواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا، وإحداث تغيير في نظام الحكم الروسي. وتنطوي هذه المسألة على ثقل حقيقي نظراً للترسانة النووية الروسية المعادلة لقوة أميركا.
لقد خسر الروبل الروسي نصف قيمته، ويواجه الاقتصاد تراجعا بقيمة خمسة في المئة عام 2015، ويعود ذلك إلى العقوبات الأميركية الأوروبية على روسيا، بسبب دورها في أوكرانيا، كما إلى انهيار سعر النفط، الذي يشكل إحدى الصادرات الأساسية لروسيا، صعوبات حقيقية تنتظر الروس هذا العام، إلا أنهم لا يلقون اللوم على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على ما يبدو، بل على الولايات المتحدة.
وذكر تقرير لصحيفة «نيويورك أوبزرفر» الأميركية أخيراً، أنه وفق مركز «ليفادا» الشهير جداً في موسكو، فإن 74 في المئة من الروس لديهم مشاعر سلبية تجاه أميركا، في حين أن 76 في المئة منهم يكنون كراهية لشخص أوباما.
وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد أيد، أخيراً، فرض عقوبات جديدة على روسيا، وتشريع إرسال أسلحة فتاكة إلى كييف، لتمكينها من استعادة إقليمي دونتسك ولوهانسك وربما القرم. ووقع أوباما شخصياً على القانون.
ماذا بعد القرار؟
يسيطر الصقور الجمهوريون على جميع لجان الكونغرس الخاصة بالسياسة الدفاعية والخارجية لأميركا، والمسؤولة عن قرارات السلم والحرب، مما سيثير صخباً تنافسياً حاداً عام 2015 حول قضية إرسال أوباما الأسلحة إلى كييف.
ما الذي سيحصل بعد ذلك؟ هل سيتخلى بوتين عن المقاتلين ويواجه غضب الشعب الروسي لتراجعه؟ أم أنه سينتظر وصول العتاد والأسلحة المضادة للدبابات إلى شرقي أوكرانيا؟ أو سيسارع إلى إرسال الجيش الروسي لفصل الجسر البري الموصل إلى القرم قبل وصول العتاد الأميركي؟
وجه بوتين رسالة بمناسبة حلول رأس السنة للشعب الروسي، أثنى فيها على ضم القرم، واعتبر الخطوة إنجازاً «سيبقى للأبد، معلماً مميزاً في تاريخ روسيا الوطني». ويدل ذلك على أنه لا يبدو مستعداً للتخلي عن الإقليم قريباً.
قال يوغي بيرا الحكيم ذات مرةً: «من الصعب وضع التكهنات، سيما المتعلقة بالمستقبل». إلا أن أحد تلك التكهنات قد لا يكون محفوفاً بالمخاطر، فإما أن يدخل بوتين وأوباما في عملية مفاوضات حول أوكرانيا، أو أن تستمر الحرب هناك، بعد أن حصدت 4700 قتيل من أبريل الماضي، وتكبر وتتسع.
حرب مختلفة
بقيت أميركا خارج الحربين العالميتين للقرن العشرين، في حين انخرطت القوى العظمى الأخرى عميقاً ونزفت كثيراً، فخرجت أميركا منتصرةً بأقل خسائر وأضرار ممكنة. وكان ذلك يسمى في تلك الأوقات حنكة سياسية، علماً أن تنظيم «داعش»، مقارنةً بألمانيا النازية، واليابان الامبريالية، وروسيا الستالينية، والصين «الماوتسيتونغية»، لا يتعدى كونه مشروعاً مشتركاً.
