يصر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على استخدام المؤسسات الدولية للضغط على اسرائيل، حتى بعد أن صدّه مجلس الدولي، حيث كان يسعى لانتزاع قرار ينص على الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد أعلن عباس، أخيراً، أنه سيتجه إلى المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة لن تسفر إلا عن كيل الاتهامات والاتهامات المضادة، دون أن تحدث أي تغيير على أرض الواقع.

وكنت قد التقيت حديثاً بأحد المسؤولين الأوروبيين، الذي أعرب عن تعاطفه مع مساعي الفلسطينيين لانتزاع قرار من مجلس الأمن، فأجبت أنه إذا أراد للفلسطينيين الحصول على دولةٍ لهم، فينبغي التوقف عن منحهم جوازات مرور، وحثهم على إدراك ثمن التركيز على الشعارات بدل الجوهر.

ويسود الاعتقاد بأن الفلسطينيين كانوا يرفضون الحلول المطروحة، والمتمثلة منذ العام 2000 بثلاث عمليات مفاوضات جدية توجت بعروض لحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي ثوابت الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عام 2000، وعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت عام 2008، وجهود وزير الخارجية الأميركي جون كيري العام الماضي. وتزعم إسرائيل أن الطروحات المقدمة حول المسائل الأساسية للقادة الفلسطينيين كانت تلقى النفي، أو عدم الرد أساساً، وذلك دون الأخذ بالاعتبار ما إذا كانت الحلول منصفة بحق الشعب الفلسطيني وقضيته. وكان ينظر إلى أن السلطة الفلسطينية بتصرفها ذاك قد قررت أن ثمن القبول بالطروحات، أو وضع طروحات مقابلة تتطلب تنازلات باهظة جداً.

وتزخر ثقافة السياسة الفلسطينية بالتعرض للظلم، وتجعلها ميولها المناهضة للاستعمار، وإحساسها العميق بالإجحاف تتعامل مع التنازلات لإسرائيل على أنها غير شرعية. فالتسوية مرآة للخيانة، والمفاوضات، التي تعني أساساً التنازلات المتبادلة، سترغم أي قائد فلسطيني حتماً على تحدي شعبه باتخاذ قرار مكلف سياسياً. وهو ما لا يحصل عادةً باللجوء إلى الأمم المتحدة، حيث يتم ممارسة الضغط على إسرائيل من دون طلب شيء بالمقابل من الفلسطينيين، وتدور القرارات عامةً حول ما يجب على الإسرائيليين القيام به، وما يتعين على الفلسطينيين القبول به. مما يدعو البعض للتساؤل، في ظل كلفة القبول، عن السبب الذي يدفع السلطة لتغيير نهجها.

إن اللجوء إلى الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية في زمن الانتخابات الإسرائيلية سيحمل تأثيرات عكسية، وستعتبره الأوساط الإسرائيلية سلوكاً أحادي الجانب يقوي شوكة السياسيين المؤيدين لاستمرار الوضع الراهن، ومواجهة الضغوط غير العادلة.

ويعقد البعض الآمال على أن تكون الحكومة الإسرائيلية المقبلة مستعدة للقيام بمبادرة سلام، والحدّ من بناء المستوطنات التي تعتبر أكبر عائق في سبيل السلام، بما يزيل الحاجة لأي قرار صادر عن الأمم المتحدة. وإذا لم يحصل ذلك، وأصر الأوروبيون على المضي قدماً نحو الحصول على قرار دولي، ينبغي لنجاح أي مسعى أن يأخذ بعين الاعتبار الموازنة بين الاحتياجات الأمنية والجغرافية لكلا الطرفين بما يضمن حل النزاع فعلياً. وإلا فمن المرجح ألا تقبل السلطة الفلسطينية بحلول على غرار التسويات السابقة في الأعوام 2000، و2008، و2014، علماً أنه لا توجد أية ضمانات كذلك تؤكد قبول حكومة إسرائيل ما بعد الانتخابات بالقرار.

تتطلب عملية السلام محاسبةً تطال جهتي النزاع، ومن العدل مطالبة إسرائيل الموافقة على العناصر الأساسية، التي تجعل السلام ممكناً، مثل حدود 1967، ومقايضة الأراضي والحد من بناء المستوطنات. كما يتعين على فلسطين التعامل بجدية أكبر مع الطروحات، والقرارات للتوصل إلى حل الدولتين والشعبين.

توجيه الاهتمام

يرى بعض الأوساط أن القادة الأوروبيين المتحمسين للدفاع عن قيام دولة فلسطين، يجب أن يصبوا اهتمامهم على جعل الفلسطينيين يدركون ثمن رفض الحلول المطروحة، أو التغافل عنها، بغض النظر مجدداً عن مدى مراعاتها لحقوقهم، وإنصافهم. وهي تعتبر أن الفلسطينيين سيبدؤون إعادة حساباتهم، إذا تحملوا نتيجة رفضهم أو عدم تجاوبهم، نظراً لاهتمامهم العميق بالدعم الدولي لقضيتهم.